38- الدرس الأول في العمل ليسوع | قصيدة الإنسان – الإله

200
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

38- الدرس الأول في العمل ليسوع

21 / 03 / 1944

أرى يسوع يَظهَر، لطيفاً مثل شعاع شمس في يوم مُمطِر، طفلاً عمره حوالي الخمس سنوات، إنّه أشقر وفاتن بثوبه البسيط الأزرق السماويّ الذي يَصِل إلى منتصف بطّات الساقين الربيلتين. وهو يَلعَب في الحديقة الصغيرة بالتراب. هو يَجمَعه أكواماً يَزرَع فيها أغصاناً صغيرة وكأنّه يجعل منها غابة مُصَغَّرة؛ ويَجعَل دروباً باستخدام الحصى، ثمّ أراه يريد صنع بحيرة صغيرة عند أسفل تلك التلال الصغيرة.

ولكي يتوصّل إلى ذلك يأخذ طبقاً يَدفن قاعه في الأرض حتّى الحافة، ثمّ يَسكب فيه الماء بواسطة وعاء يُغَطِّسه في بركة للغسيل أو لريّ الحديقة. ولكنّه لا يتوصّل إلّا إلى ترطيب ثوبه وبخاصة الأكمام. فالماء يتسرّب مِن الطبق المثقوب أو ربّما المشقوق و… تبقى البحيرة جافة.

يَظهَر يوسف عند العتبة، ويبقى بعض الوقت يَنظر صامتاً إلى عمل الطفل ويبتسم. إنّه لَمَشهد مُبهِج يبعث على الابتسام. ثمّ لكي يضع حدّاً لتبلّله يناديه. فيلتفت يسوع، وحين يَرَى يوسف يركض نحوه ويداه ممدودتان. يمسح يوسف بطرف ثوبه القصير اليدين الصغيرتين المتّسختين ويُقَبِّل يسوع. ويَدور بين الاثنين حوار عذب.

أخَذَ يسوع يشرح عمله ولعبته والصعوبات التي تعترضه أثناء التنفيذ. كان يريد صنع بحيرة مثل بحيرة جنّسارت (مما يقودني إلى الاعتقاد بأنّهما قد كَلَّماه عنها أو ربما أَخَذاه إليها.) أراد صنع نموذج مُصغَّر عنها ليلعب. هنا كانت طبريّا وهناك مجدلة وأبعد قليلاً كفرناحوم. وهذه الطريق تمرّ بقانا وتقود إلى الناصرة. كان يريد وضع بعض المراكب في البحيرة: هذه الأوراق هي مَراكِب للوصول إلى طرف الشاطئ الثاني. إنّما الماء يَهرب…

كان يوسف يَنظُر بإمعان ويهتمّ كما لو كان الأمر جادّاً. ثمّ يقترح عليه صنع بحيرة صغيرة في الغد، ولكن ليس بطبق شَرِم، إنّما ببركة خشبيّة كان يوسف قد علّمه صنعها. ففي هذه الأثناء تماماً كان قد جَلَبَ له أدوات عمل صغيرة مصنوعة خصّيصاً له لكي يستطيع تَعلُّم استخدامها دونما تعب.

فيقول يسوع وهو يبتسم: «وهكذا سأساعدكَ.»

«هكذا ستساعدني وستصبح نجّاراً ماهراً. تعال لتراها.»

يَدخُلان إلى المشغَل. ويريه يوسف مطرقته الصغيرة ومنشاراً صغيراً ومفكّات كذلك صغيرة مع مسحج صغير، جميعها كانت موضوعة على طاولة نجارة صغيرة، طاولة تُناسِب طول يسوع الصغير.

«انظر: مِن أجل عمليّة النّشر، يُوضَع الخشب مع ضغطه بهذه الطريقة، ثمّ يؤخذ المنشار بهذا الأسلوب مع الانتباه لكيلا يُلامِس الأصابع، ويتمّ النّشر. حاول…»

يبدأ الدرس. ويعلو يسوع احمرار بفعل الجهد الذي يبذله، يضغط على شفتيه، يَنشر بانتباه ثمّ يَسحَج القطعة الخشبيّة الصغيرة التي وإن كانت متعرّجة قليلاً، فإنّها تبدو لـه جميلة، ويُثني عليه يوسف ويعلّمه العمل بصبر وحبّ.

تعود مريم. بالتأكيد كانَت قد خَرَجَت مِن البيت. تقف في الباب وتَنظُر. لم يَرَياها لأنّهما يُديران ظهريهما للباب. تبتسم مريم وهي ترى حماس يسوع الذي يستَخدِم المسحج، والحنان الذي يحيطه به يوسف أثناء تدريبه.

ولكن كان ينبغي ليسوع أن يُحِسَّ بهذه الابتسامة. فيلتفت ويرى أُمّه ويركض إليها مع قطعته الخشبية نصف المسحوجة ويريها إيّاها. تُظهِر مريم ليسوع إعجاباً وتنحني لتقبّله وترفع له شعره المشعّث وتمسح عرق وجهه، وتُنصِت بكلّ عطف إلى يسوع الذي يَعِدها بأن يصنع لها مقعداً صغيراً ليوفّر لها راحة أكثر أثناء عملها. ويقف يوسف قرب طاولة النجارة الصغيرة، يداه على خاصرتيه، يَنظر ويَبتسم.

لقد حَضَرتُ أوّل درس في العمل ليسوعي الصغير، وقد تسرَّبَ إلى أعماقي كلّ سلام هذه العائلة المقدّسة.


يقول يسوع:

«لقد واسيتكِ، يا روحي، برؤيا عن طفولتي الصغيرة السعيدة في فقرها، لأنّها مُحاطَة بعطف هَذَين القدّيسَين، أعظم قدّيسَين عَرِفهُما العالم.

قيل إنّ يوسف كان مربّياً لي. بالطبع، ولكونه رجلاً لم يستطع إرضاعي مثل مريم التي غذّتني بحليبها، إلّا أنّه أَهلَكَ ذاته في العمل ليوفّر لي الخبز والأغذية المقوّية. كان لديه تجاهي حنان أُمّ حقيقيّة. لقد تعلّمتُ منه -ولم يكن لدى أيّ صبيّ على الإطلاق معلّم أفضل منه- كلّ ما يجعل مِن الطفل رجلاً، رجلاً عليه كسب قوْته.

وإن يكن ذكائي كابن الله كاملاً، إلاّ أنّه ينبغي التفكير والاعتقاد بأنّني لم أشأ التخلّص مِن قواعد النموّ بصَخَب. بهبوطي إذن بكمال فِكري الإلهيّ إلى مستوى الإدراك البشريّ، فقد خَضَعتُ إلى الاحتياج إلى معلّم، إلى أن يكون لديَّ معلّم إنسان. وإن كنتُ بالتالي قد تعلّمتُ بسرعة، فهذا لا ينفي عنّي أنّني وضعتُ نفسي تحت تصرّف رجل، ولا ينفي كذلك فَضل هذا الرجل في إمداد فِكري الصغير بالـمَعارِف الضروريّة للحياة.

لن أنسى الأوقات العذبة التي قضيتُها إلى جانب يوسف الذي قادَني، وكأنّنا نلعب، لأن أُصبِح قادراً على العمل، لَم ولَن أنساها حتّى وأنا في السماء الآن. وعندما أعود لأرى أبي الذي بالتبني والحديقة الصغيرة والـمَشغَل المليء بالدخان، يبدو لي أنّني أرى أُمّي تهلّ بابتسامتها التي تجعل المسكن رائعاً وتُفعِمني سروراً.

كَم على العائلات أن تتعلّم مِن كمال هَذَين العروسين اللذين يتحابّان كما لم يتحابّ اثنان غيرهما!

لقد كان يوسف هو السيد. لم تُناقَش سُلطته في العائلة، بل لم تكن قابلة للمناقشة. فكانت أمامها تنحني سُلطة عروس وأُمّ الله، وكان ابن الله يَخضَع لها. كلّ ما كان يوسف يُقرّر عمله كان جيّداً، دون مناقشة، ولا معارضة ولا مقاومة. لقد كانت كلمته الشَّرع الصغير المتَّبع عندنا.

ورغم ذلك، يا لتواضعه! إنّه لا يُسيء استخدام السُّلطة مطلقاً، ولا حتّى كانت لديه إرادة غير صائبة مستمدّة مِن السُّلطة. وكانت العروسة مُستَشارَته اللطيفة، وهي وإن كانت بتواضُعها العميق تَعتَبر نفسها خادمة قرينها، فقد كان هو يستفيد مِن حكمة الممتلئة نعمة، ومِن النور الذي يقوده في كلّ الظروف.

وكنتُ أنا أنمو مثل زهرة تحميها شجرتان كبيرتان وارِفَتان، بين حبّين يتشابكان فوق رأسي ليَحمياني ويُحباني.

لا، فطوال فترة شبابي التي كانت تجعلني أَجهَل العالم، لم أكن أفتقد الجنّة، فالله الآب والروح الإلهي لم يكونا غائِبَين، لأنّ مريم كانت ممتلئة منهما، والملائكة كانت تقطن هناك لأنّ ما مِن شيء كان يُبعِدها عن هذا البيت. يمكنني القول إنّ أَحدها كان متجسّداً، إنّه يوسف. ذلك أنّ نفسه كانت ملائكيّة مُتحرِّرة مِن ثِقل الجسد، وكان اهتمامه مُنصبّاً فقط على خدمة الله ومهامّه، وعلى حبّه كما يحبّه السيرافيم. نَظرَة يوسف! هادئة نقيّة، مثل نور نجمة تَجهَل شهوات الأرض. لقد كان راحتنا وقُوَّتنا.

يَتصوّر الكثيرون أنّني لم أتألّم كبشر عندما انطَفَأَت نظرة هذا القدّيس الذي كان يَسهَر على بيتنا. حتّى وإن كنتُ إلهاً وأَعلَم أنّ مصير يوسف ستكون تلك السعادة، وإن كنتُ لهذا السبب لم أكتئب مِن رحيله، وهو الذي، بعد إقامة قصيرة في اليمبس سيَفتَتِح السماء كإنسان، مع ذلك فقد بكيتُ في المنزل الذي حُرِمَ مِن وجوده العَطوف. بكيتُ الصديق المختفي. أفما كان ينبغي لي البكاء على هذا القدّيس الذي كان قريباً منّي جدّاً، وعلى هذا القلب الذي طالما غفوتُ عليه صغيراً جدّاً والذي أحاطَني بحبّه طوال سنين كثيرة؟

أخيراً، أُظهِر للأهل كيف عَرف يوسف، دون الاستعانة بمؤهِّل تربوي، أن يجعل منّي عامِلاً ماهِراً.

ما إن بلغتُ السنّ التي تجعلني قادراً على استخدام الأدوات، حتّى بدأ لا يتركني أتعفّن في البطالة، لقد كان يدفعني إلى العمل جاعلاً مِن حبّي لمريم الـمُساعِد الأوّل في تشجيعي على هذا العمل. إعداد حاجات تستفيد منها الماما، هكذا كان يُرَسِّخ في ذهني الاحترام الواجب للأُمّ الذي مِن المفروض أن يكون لدى كلّ ابن. وعلى هذا الأساس مِن الاحترام والحبّ، كان يَستَنِد في تنشئة نَجَّار المستقبل.

أين هي الآن العائلات التي تُحَبِّب العمل لشبّانها الصغار، لتُعلّمهم إرضاء أهلهم؟ الأولاد الآن طُغاة في البيت. يَنمون قُساة، لا مُبالين، يتصرّفون بجَلَف مع أهلهم، يَعتَبرونهم خدّاماً لهم، بل عبيداً. لا يحبّونهم، ونصيبهم مِن حبّهم قليل. فبِجعلكم مِن أبنائكم ذوي طبع حادّ ومزاج عصبيّ تَنفَصِلون عنهم بتغيُّب مُخجِل.

إنّهم أبناء كلّ العالم. إلّا أنّهم لا ينتمون إليكم يا أهل القرن العشرين. إنّهم في الأغلب أبناء المربّية والمعلّمة وينتمون إلى الكلّية إذا كنتم أغنياء. أو إلى الرفاق والشارع والمدرسة إذا كنتم فقراء. لم يَعودوا لكم. أنتنّ أيّتها الأُمّهات، تلدنهم فقط وانتهى الأمر. وأنتم أيها الآباء لا يُشكّلون بالنسبة إليكم سوى هَمّاً إضافيّاً. ولكن الابن ليس فقط كائناً مِن جسد. إنّه فِكر وقلب وروح. كونوا على يقين إذاً أنّ لا أحد غير الأب والأُمّ له الحقّ وعليه واجب تهذيب هذا الفِكر وهذا القلب وهذا الروح.

لقد وُجِدَت العائلة ولا بد مِن وجودها. فلا توجد نظريّة أو تطوُّر يستطيع أن يقف في وجه هذه الحقيقة دون التسبّب بالخراب. فَمِن عائلة تتفكّك، لا يمكن أن يتأتّى في المستقبل غير رجال ونساء مُفسِدين على الدوام ويتسبّبون بأعظم الخراب. والحقّ أقول لكم إنّه مِن الأفضل أن لا يعود هناك زواج ولا أطفال على الأرض مِن أن تُوجَد عائلات أقلّ ارتباطاً كما هي الحال في قبائل القِرَدة، عائلات لا تكون مَدارس للفضيلة والعمل والحبّ والدّين، بل فوضى يعيش فيها كلّ لذاته مثل مسنّنات مَغلوطة تنتهي جميعها بالتهشّم.

حَطِّموا، فَكِّكوا. وثمار هذا التفكّك، في أكثر المجتمعات قداسة، تَرَونها وتطالكم. استمرّوا إذاً، إذا أردتم. ولكن لا تتذمَّروا إذا أصبَحَت الأرض جحيماً، أو جحر وحوش تَفتَرِس العائلات والدول. وإذا كنتم تريدون ذلك: فليكن لكم.»


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.