2- يواكيم وحنّة يَنذُرون للربّ | قصيدة الإنسان – الإله

1٬431
القديسان يواكيم وحنة
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

2- يواكيم وحنّة يَنذُرون للربّ

22 / 08 / 1944

أرى منزلاً من الداخل، وامرأة في سن متقدّمة نوعاً ما جالسة أمام نول. لدى رؤيتها، بشعرها الذي كان حالك السواد يوماً وأصبح الآن رماديّاً، وبوجهها الخالي من التجاعيد، إنّما تجلّله رصانة مكتسَبة عبر السنين تجعلني أخمّن عمرها بين الخمسين والخامسة والخمسين، ليس أكثر.

أراها تحيك. الغرفة مضاءة بنور يَلِج من الباب الـمُطلّ على مبقلة واسعة، ومع ذلك هي أملاك صغيرة لأنّها تمتدّ بتموّجات تنتهي إلى منحدر أخضر. إنّها جميلة، تلك المرأة، بملامحها العبرانيّة الخالصة، فعيناها سوداوان عميقتان، لستُ أدري لماذا تذكّرانني بعيني المعمدان. أمّا نظرتها فنظرة نبيلة كالتي لملكة ومفعمة حناناً، كما لو أنّ وشاحاً لازورديّاً ينتشر على بريق نظرة نسر.

نظرة وديعة تشوبها مسحة حزن خفيفة كما لو كانت تفكّر بأشياء فُقِدَت منها. لون بشرتها يميل إلى السمرة. الفم عريض قليلاً ولكنّه مرسوم بإتقان، له تعبير صارم ولكن دون قسوة. الأنف طويل دقيق ومنعكف قليلاً عند القاعدة، أنف معقوف ومتناغم بشكل جيّد مع العينين. إنّها ممتلئة ولكنّها ليست بدينة، كبيرة الحجم ولكنّها متناسقة جيّداً، هذا ما يمكن تخمينه وهي جالسة.

يخيّل إليّ أنّها تحيك سجّادة أو ستاراً، والمكوكات المتعدّدة الألوان تنزلق بسرعة عبر لحمة كستنائيّة غامقة، يُظهِر الجزء المنتهي منها تداخلاً متماوجاً من الرسوم والزخارف بشكل الورود، يتقاطع فيها الأخضر والأصفر والأحمر وكذلك اللازورد بانعكاسات النحاس، وتتمازج بشكل فسيفسائيّ.

ترتدي المرأة ثوباً بسيطاً للغاية وغامقاً. إنّه بنفسجيّ يميل إلى الحمرة، ويبدو أنّ ألوانه مستعارة من زهور “البانسيه”. (زهرة الثالوث أو بنفسج الثالوث)

تَسمَع طرقاً على الباب فتنهض. قامتها بالفعل كبيرة. تفتح. تسألها امرأة: «حنّة، هلاّ أعطيتني جرّتكِ لأملأها لكِ؟»

تجلب المرأة معها طفلاً في الخامسة من عمره، يتمسّك برداء حنّة مباشرة، فتداعبه وهي ماضية إلى غرفة أخرى لتجلب منها جرّة نحاسيّة جميلة. تعطيها للزائرة وهي تقول لها: «إنّكِ طيّبة دائماً مع حنّة العجوز، كافـأكِ الله بصغيرك هذا وبأولادكِ الذيـن لـكِ الآن والذين سيكونون، مغبوطة أنتِ!» وتتنهّد حنّة.

تنظر المرأة إليها، غير عالمة بما تقول بعد ذلك التنهّد. ولكي تخفّف من الألم الذي خمَّنَتهُ تقول: «سـأترك لكِ حـلفـا إذا لم يكن هذا يـزعجـكِ؛ هكذا سـأنتهي بسرعة أكبر من ملء عدّة جرار وأباريق لكِ.»

اغتَبَطَ حلفـا كثيراً لبقائه، وقد عرف السبب. فحالما تذهب والدته تلفّ حنّة ذراعها حول عنقه، وتحمله إلى الجنينة وترفعه ليطال دالية عنب حبّاته سمراء كالزبرجد وتقول له: «كُل، كُل، إنّه لذيذ.» وتعود لتطبع قبلاتها على كامل وجهه الصغير الملطّخ بعصير العنب الذي يفرط حباته بنهم.

ثمّ تضحك وتضحك وتبدو فجأة أكثر شباباً بصفّي اللؤلؤ اللذين يزيّنان فمها بالفرح المشعّ على وجهها ماسحاً أثر السنين، وذلك عندما يقول لها الطفل: «والآن ماذا ستعطيني؟» وينظر إليها محملقاً بعينيه الرماديّتين بلون اللازورد القاتم.

تضحك مازحة وتنحني طاوية ركبتيها وتقول: «ماذا ستعطيني إذا أعطيتكَ… إذا أعطيتكَ… احزر ماذا؟»

تضجّ أسارير الطفل بضحكة وتصفيق وهو يقول: «قُبلات… قُبلات… أعطيكِ قبلات يا حنّة الجميلة، حنّة الطيّبة، حنّة أمّي!…»

وعندما تسمعه يقول: «حنّة أمي» تصرخ صرخة فرح وحنان، وتضمّه إلى صدرها قائلة: «أيّها الفرح الثمّين، الثمّين، الثمّين!» وبعد كلّ كلمة ثمّين تطبع قبلة على وجنتيه الحمراوين. ثمّ يتّجهان إلى أحد الرفوف حيث يُخرِجان طبقاً من الحلوى بالعسل «لقد صَنَعتُها لكَ يا بهاء حنّة المسكينة، لكَ يا من تحبّني كثيراً! ولكن قل لي كم تحبّني؟»

ويفكّر الطفل بما يثير اهتمامه أكثر ثمّ يجيب: «مثل هيكل الربّ». تعود حنّة فتقبّل عينيه اللتين تضجّان بالحياة وشفتيه الورديتين، والطفل يتمسّح بها كقطّة صغيرة. وأمّه تروح وترجع بالجرّة ممتلئة وتضحك دون أن تقول كلمة. وتدعهما في فيض مشاعرهما.

يصل إلى الجنينة رجل طاعن بالسنّ، أصغر حجماً قليلاً من حنّة، يغطّي رأسَه شعر أبيض، ويحدّ وجهه المشرق إطار من لحية مربّعة وعينان لازورديّتان كالفيروز بين رمشين كستناويّين فاتحين يميلان إلى اللون الأشقر، وثوبه بنيّ داكن.

لم تره حنّة لأنّ ظهرها كان باتّجاه المدخل، فيمسكها من كتفيها قائلاً: «ولا شيء لي؟» تدور حنّة قائلة: «يواكيم، أأنهيتَ عملكَ؟» وفي الوقت ذاته يمسكه الطفل من ركبتيه ويشدّهما قائلاً: «لكَ أيضاً، لكَ أيضاً.» وعندما ينحني الرجل المسنّ ويقبّله، يلفّ الطفل ذراعيه حول عنقه ويداعب لحيته بيديه الصغيرتين ويعانقه.

يحصل يواكيم أيضاً على هديّته. وها هو يأخذ من خلف ظهره بيده اليسرى تفاحة ملمعة كفاكهة خزفية ويقول للطفل الذي يمدّ لـه يديه بلهفة: «انتظر حتّى أقطّعها لكَ، فلن تستطيع أكلّها هكذا. إنّها أكبر منك.» وبسكّين يحملها في نطاقه، سكّين بستانيّ، يقطّعها لـه شرائح ولقم. يبدو وكأنّه يعطي نقدات لعصفور في العشّ، لطالما يضع القطع بعناية في الفم الصغير الذي لا يتوقّف عن المضغ.

«انظر يواكيم، يا لهاتين العينين، أليستا كقطعتين من بحر الجليل عندما يسدل نسيم الليل وشاحاً من الغمام على السماء؟» تتكلّم حنّة وهي تشدّ بيدها على كتف زوجها وتتّكئ عليه بلطف: حركة توحي بحبّ زوجة عميق، حبّ لا تشوبه شائبة بعد سنوات عديدة من الزواج.

وينظر يواكيم إليها بحبّ، ويعبّر عن مشاعره قائلاً: «إنّهما جميلتان جدّاً! وهذا الشعر المجعّد؟ أليس بلون القمح اليانع؟ انظري داخله إلى هذا المزيج من الذهب والنحاس.»

«آه! لو كان لدينا ابن لكنتُ أردته هكذا، بهاتين العينين وهذا الشعر…» وتنحني حنّة حتّى تجثو، وتُقبّل هاتين العينين الرماديّتين اللازورديّتين بتنهّد.

يتنهّد يواكيم أيضاً ولكنّه يريد مواساتها. يضع يده على شعر حنّة المجعّد والأبيض، ويقول لها: «يجب ألاّ نفقد الأمل. لا شيء غير مستطاع لدى الله، وطالما نحن أحياء فإنّ فرصة المعجزة قائمة، خاصّة عندما نحبّ الله ونحبّ بعضنا.» ويشدّد يواكيم على الكلّمات الأخيرة هذه.

أمّا حنّة فتصمت بتواضع وتطأطئ رأسها لتخفي دمعتين، وحده حلفا الصغير يلحظهما. كانت مفاجأة مؤلمة أن يرى صديقته الكبيرة تبكي كما يحصل له أحياناً. فيرفع يده الصغيرة ويمسح دمعتيها.

«لا تبكي يا حنّة! إنّنا مع ذلك سعداء، أنا على الأقلّ، لأنّكِ أنتِ لي.»

«وأنا أيضاً سعيدة بكَ، ولكنّني لم أنجب لكَ الطفل… أظنّني أسأتُ إلى الله لذلك جعل أحشائي غير خصيبة.»

«يا زوجتي! كيف تسيئين إلى الله وأنتِ كلّيّة القداسة؟ فلنذهب، من أجل ذلك، مرّة أخرى إلى الهيكل، ليس فقط من أجل عيد المظالّ. ولنصلّ صلاة طويلة… وقد يحصل لكِ كما حصل لسارة… ولحنّة زوجة ألقانة اللتين انتظرتا طويلاً حتّى ظنّتا نفسيهما مغضوباً عليهما بسبب العقم. بينما على العكس، فقد كان يتهيّأ لهما في سماء الله ابن قدّيس.

ابتسمي أيّتها الزوجة العزيزة. إنّ همّكِ يؤلمني أكثر بكثير من كوني دون خَلَف… وسوف نأخذ حلفا معنا ونجعله يصلّي، فهو بريء وسيسمع الله صلاته وصلاتنا ويستجيب لدعواتنا.»

«نـعم، ولننذر للـرب أن يكـون ولدنـا لـه إذا مـا وَهَبَنـا إيـّاه… آه لـو أسـمع مـن ينـاديـني “ماما”‍!»

أمّا حلفا الـمُشاهِد المندهش والبريء فيقول: «أنا أناديكِ هكذا.»

«نعم يا فرحي، يا حبيبي… ولكنّ لكَ أمّاً أنتَ، أمّا أنا فلا ولد لي…»

وتتوقّف الرؤيا.

أيقنتُ أن بهذه الرؤيا تبدأ دورة ولادة مريم. أنا مبتهجة، وكم كنتُ راغبة بها.

قبل أن أبدأ الكتابة سمعتُ الأمّ تقول لي: «ابنتي! اكتبي عنّي إذاً. سيكون هذا عزاء لكلّ محنتكِ.» وبينما كانت تقولها وَضَعَت يدها على رأسي بمداعبة لطيفة. بعدئذ بدأت الرؤيا. إنّما في البدء، وإلى أن وصلتُ إلى المرحلة التي لم أعد أسمع فيها اسم الرجل المسنّ، لم أكن أستطيع إدراك أنّني أمام والدة الأمّ، وأنّها كانت بخصوص نعمة ولادتها.


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.