10- موت يواكيم وحنّة | قصيدة الإنسان – الإله

780
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

10- موت يواكيم وحنّة

31 / 08 / 1944

يقول يسوع:

«مِثل غَسَق الشتاء السريع حيث الغيوم في السماء تتراكم بفعل الرياح الثلجيّة، كذلك أقبَلَ ليل حياة جدّيَّ سريعاً، منذ أن ثَبتَت شمسهم لتسطع أمام حجاب الهيكل المقدّس.

ولكن أما قيل: “الحكمة تنفخ الحياة في أبنائها، تحمي الذين يبحثون عنها. مَن يحبّها يحبّ الحياة، ومَن يسهر من أجلها ينعم بالسلام، ومَن يمتلكها يرث الحياة. مَن يخدمها يَطِع القدّوس، ومَن يحبّها يصبح محبوباً مِن الله. مَن يؤمن بها يرثها إرثاً ثابتاً ولنسله مِن بعده، فترافقه في التجربة. وتصبح أوّلاً موضوع اختيار الله، ثمّ يُرسِل الله لـه خوفاً وذعراً وتجارب، وسوط تأديبه ليُشكّله، إلى أن تختبره في أفكاره ويصبح أهلاً للوثوق به. ولكن، بعد ذلك تُرسخّه، تعود إليه بدروب مستقيمة وتُسعِده. تكشف له عن أسرارها، تضع فيه كنوز العلم والذكاء في صدر العدالة”؟

نعم، لقد قيل هذا كلّه. كُتُب الحكمة تُناسِب كلّ الذين يجدون فيها مِرآة تصرّفاتهم ودليلاً لهم، ولكن طوبى لمن يمكن التعرّف إليهم مِن بين العاشقِين الروحيّين للحكمة. لقد أُحِطتُ بالحكماء الآيلين للموت مِن أهلي. حنّة، يواكيم، يوسف، زكريّا وأيضاً أليصابات ومِن ثمّ المعمدان؛ أليسوا حكماء حقيقيّين؟ لستُ أتكلّم عن أُمّي حيث تجد الحكمة مقرّ إقامتها.

مِن المهد إلى اللحد، أوحَت الحكمة لأجدادي شكل حياة يرضي الله، مثل خيمة تحمي مِن سَورة العناصر الهائجة، لقد حمتهم مِن خطر الخطيئة. مخافة الله المقدّسة هي في جذور شجرة الحكمة التي ترتفع بكلّ أغصانها لتُلاقي في قمّتها الحبّ الهادئ في سلامها، الحبّ الساكن في أمانها، الحبّ الواثق في إخلاصها، الحبّ الـمُخلِص في قوّتها، الحبّ الكامل الكريم المحرّك للقدّيسين.

جاء في سفر الجامعة: “مَن يحبّ الحكمة يحبّ الحياة ويمتلكها بالوراثة”. ولكن هذا يتعلّق بكلامي: “مَن يُهلِك حياته مِن أجل حبّي يخلّصها”. هذا لأنّ المسألة ليست مسألة حياة تعيسة على هذه الأرض، ولكنّها مسألة حياة أبديّة، وليست مسرّات ساعة، بل إنّما هي مسرّات لا نهاية لها”.

ضِمن هذا المعنى، أحَبَّها يواكيم وحنّة فكانت معهم في تجاربهم. كَم منكم، دون أن يكون كامل السوء، لا يتقبّل ما يبكيه أو ما يؤلمه! كَم مِن التجارب لا تجد في طريقها هؤلاء الصالحين الذين يستحقّون أن تكون مريم ابنتهم!

الاضطهاد السياسيّ الذي طَرَدَهُما مِن أرض داود وأفقَرَهُما دون قياس. الحزن المتأتّي مِن رؤية السنوات تمضي دون أن تقول لهما زهرة: “أنا استمرار لكما”. وبعد ذلك، الخوف الحاصل لهما في سنّ متقدّمة كان تأكيداً على أنّهما لن يَرَيا تَفَتُّح المرأة فيها.

ومِن ثمّ وجوب انتزاعها مِن قلبيهما لحملها إلى هيكل الله، وأيضاً العيش في سكون ثقيل، بينما كانا قد تَعَوَّدا على غناء يمامتهما الصغيرة، على صوت خطواتها القصيرة، على ضحكات وقبلات ابنتهم. ثمّ انتظار ساعة الله مع ذكرياتها، وأيضاً، وأيضاً أمراض ومصائب وأهوال الطقس ووقاحة المتنفّذين. كلّها إصابات قذائف كثيرة في القلعة الضعيفة لرخائهم المتواضع.

ليس هذا كلّ شيء: فالذكرى المضنية لطفلتهما البعيدة، والتي بقيَت وحيدة ومسكينة، والتي رغم عنايتهما وتضحيتهما لم يبق لها سوى بقيّة خيرات أبويّة. وبأيّة حالة سوف تجدها إذا ما بَقيَت لسنوات أيضاً مُهمَلَة، مُغلَقَة ومُنتَظِرة عودتها؟ مخاوف، هَلَع، اختبارات وتجارب، وأمانة، أمانة، أمانة لله. التجربة الأقوى: احتجاب سلوى وجود ابنتهما إلى جانبهما عند أُفول حياتهما.

ولكنّ الأولاد ينتمون لله قبل انتمائهم لذويهم. وكلّ ابن يستطيع قول ما قُلتُه لوالدتي: “ألا تَعلَمين أنّه ينبغي لي أن أكون في ما هو لأبي السماويّ؟” ويجب على كلّ أب وكلّ أُمّ، لمعرفة السلوك الذي عليه أن يراعيه، أن ينظر إلى مريم ويوسف في الهيكل، وإلى يواكيم وحنّة في بيت الناصرة الذي يخيّم عليه الفراغ والحزن كلّ يوم أكثر مِن الذي سَبَقه، إلّا أنّ شيئاً واحداً فقط لا يَضعف أبداً، بل لا يتوقّف عن النموّ: قداسة قلبين، بل قداسة اتّحادهما.

ماذا بقي ليواكيم العجوز وحنّة المفجوعة لإنارة الليالي الطويلة الصامتة لعجوزين ينتظران الموت؟ الثياب الصغيرة، الأحذية الأولى، الألعاب البسيطة التي كانت كلّها لصغيرتهما البعيدة جدّاً، ومِن ثمّ الذكريات، الذكريات، ومعها سلام آت ليقول لهما: “أنا أتألّم ولكنّني أتممتُ واجبي، واجب الحبّ تجاه الله”.

حينئذ يُشرِق فَرَح فائق الإدراك بنور سماويّ لم يعرفه بشر، ولا يخبو بفعل وقوعه على جفون ذابلة، على عينين أوشكتا أن تموتا. ولكنّه، في الساعة الأخيرة، يَسطَع أكثر، وينير حقائق كلّ زمن حياتهما المحفوظة في أعماق نفسيهما مُغلَقاً عليها كالفراشات في شرانقها، لا يَظهَر وجودها إلّا عبر حركات لطيفة ناجمة عن لمعان خفيف؛ إلّا أنّها الآن تفتح أجنحتها الشمسيّة وتُظهِر الكلمات التي تزيّنها. وتنطفئ الحياة في معرفة مستقبل سعيد لهما ولابنتهما، بينما تتفتّح على شفاههما مباركة أخيرة وتمجيد لله.

هكذا كانت وفاة جدّيّ كما استحقّتها حياتهما المقدّسة. بسبب قداستهما استحقّا أن يكونا أوّل حارسَين لمحبوبة الله. فقط حين أتت الشمس لتنير أُفول حياتهما، حَصَلا على الرؤية الكاملة للنعمة التي مَنَحَهُما إيّاها الله. بسبب قداستهما لم تختبر حنّة آلام الولادة، بل هي وَلَدَت المنزّهة عن كلّ عيب بنشوة بعد الحَمْل بها.

بالنسبة لكليهما، لم يذوقا سكرات الموت، إنّما خمول الحياة التي خَبَت كما تخبو نجمة عند قيام الشمس في الفجر. وإن لم يحصلا على عزاء امتلاكي، أنا الحكمة المتجسّدة، كما حَصَلَ عليه يوسف، فقد كنتُ موجوداً إلى جانبهما بشكل غير مرئيّ، منحنياً على وسادتهما أهمس لهما كلمات رائعة لأنوّمهما في السلام بانتظار الظَّفَر.

قد يقول قائل: “لماذا لم يتألّما في الولادة والموت طالما هما مِن أبناء آدم؟” أجيب: “إذا كان المعمدان، ابن آدم، وهو الذي قد حُبِلَ به بالخطيئة الأصليّة، قد تقدّس لمجرّد اقترابه وأُمّه منّي، وأنا بعد في أحشاء أُمّي، قبل ولادته، أفلا تحصل الأُمّ القدّيسة على نعمة مِن كلّية القداسة التي لم يمسّها عيب، مِن التي كانت خاصّة الله، وقد كانت تحمل الله معها في روحها شبه الإلهيّة، وفي قلبها الذي ما زال جنينياً غير منفصل عن الله منذ اللحظة التي فَكَّر فيها الآب بها، والتي حُبِلَ بها في أحشاء عادت لتمتلك الله في ملء السماء لأبديّة سعيدة.”؟

لهذا أجيب: “استقامة الضمير تؤمّن ميتة صافية، وصلوات القدّيسين تُحرِز لكم ميتة مُشابِهة”.

لقد تَرَكَ يواكيم وحنّة خلفهما حياة مستقيمة بكاملها. انكشَفَت أمامهما في لحظة الموت بانوراما هادئة، كطريق توصِلهما إلى السماء. فقد كانت لهما القدّيسة في حالة صلاة أمام تابوت عهد الله. كانت تصلّي مِن أجل والدَيها البعيدَين عنها، واللذين يُعتَبَران بالنسبة لها في مرتبة مباشـرة بعد الله، الخير الأعظم، إلاّ أنّهما محبوبان كما تريد الشريعة والقلب البشريّ، ولكنّه حبّ كامل بشكل فائق للطبيعة.»


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.