53- يهوذا تداوس في بيت صيدا لدعوة يسوع إلى عرس قانا | قصيدة الإنسان – الإله

618
القديس يهوذا تداوس
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الثاني
{السنة الأولى في الحياة العلنية}

53- يهوذا تداوس في بيت صيدا لدعوة يسوع إلى عرس قانا

17 / 10 / 1944

أرى مطبخ بيت بطرس، وهناك، بالإضافة إلى يسوع، موجود بطرس وزوجته ويعقوب ويوحنّا. يبدو أنّهم قد انتهوا مِن العشاء وهم يتبادلون الحديث. يُبدي يسوع اهتماماً بالصيد.

يَدخُل أندراوس ويقول: «يا معلّم يوجد هنا الرجل الذي تقطن عنده ومعه آخر يَدَّعي أنّه ابن عمكَ.»

يَنهَض يسوع متوجّهاً صوب الباب وهو يقول: «فليأتيا.» وعندما يرى يهوذا تدّاوس على ضوء مصباح الزيت ونور الموقد يَدخُل، يهتف: «أنتَ يهوذا؟!»

«أنا، يا يسوع.» ويُقَبِّلان بعضهما.

يهوذا تدّاوس رجل وسيم، في غاية الجمال الرجوليّ. كبير، ولو أنّه ليس أكثر مِن يسوع، قويّ ومتناسق تماماً، أسمر كما كان يوسف في شبابه، سحنته زيتونيّة إنّما ليست ترابيّة، في عينيه شيء مشترَك مع عيني يسوع، فهما بلون اللازورد إنّما يميل قليلاً إلى لون الدفلة، لحيته المربعة بنيّة، وشعره متماوج أقلّ تقصيباً مِن شعر يسوع، وهو بنّي مثل شعر اللحية.

«إنّني قادم مِن كفرناحوم. استقلّيتُ مركباً وأكملتُ به إلى هنا لأصل بسرعة. لقد أرسَلَتني والدتكَ لأقول لكَ: “سوسن ستتزوّج غداً. أرجوك يا بُنيَّ أن تحضر هذا العرس”. مريم تدعوكَ ومعها والدتي والإخوة. الأهل جميعهم مدعوّون، وستكون الوحيد الـمُتَخَلِّف. والأهل يرجونكَ أن تفعل إرضاء للعروسين.»

ينحني يسوع انحناءة خفيفة فاتحاً ذراعيه قليلاً: «رغبة والدتي هي قانون بالنسبة إليَّ، ولكنّني سآتي كذلك كرمى لسوسن والأهل. إنّما فقط… هذا يكدّرني مِن أجلكَ…» ويَنظُر إلى بطرس والآخرين «إنّهم أصدقائي» يقولها مُفَسِّراً لابن عمّه. ويسمّيهم بدءاً مِن بطرس؛ وفي النهاية: «هذا هو يوحنّا»، يقولهـا بنغمـة خاصّـة تلفت انتبـاه يهوذا تدّاوس الـمُتَيَقِّظ للغاية وتجعل الاحمرار يعتري الـمُفَضَّـل. ويُنـهي الـتقديـم بقولـه: «أصدقائي، هذا هو يهوذا ابن حلفا، ابن عمّي، حسب عرف العالم، إذ إنّه ابن أخ عريس والدتي. إنّه بالنسبة لي صديق ورفيق عمل وحياة جيّد.»

«بيتي مفتوح لكَ كما هو للمعلّم. اجلس.» ثمّ يلتفت بطرس إلى يسـوع ويقول: «إذاً فلن نمضي معكَ إلى أورشليم؟»

«بلى، بالطبع ستأتون. سوف أذهب بَعد العرس. إنّما فقط لن أتوقّف في الناصرة.»

«حسناً تفعل، يا يسوع، لأنّ والدتكَ ستنزل بضيافتي لبضعة أيّام. اتّفقنا هكذا. وهي كذلك ستأتي بعد العرس.» هذا ما يقوله رجل كفرناحوم.

«هذا إذاً ما سوف نفعله. الآن سأمضي على مركب يهوذا إلى طبريّا، ومنها إلى قانا، وعليه ذاته أعود إلى كفرناحوم مع أُمّي ومعكَ. وفي اليوم الذي يلي السبت القادم، ستأتي يا سـمعان، إذا كنتَ ما تزال مُصمّماً، ونمضي إلى أورشليم مِن أجل الفصح.»

«طبعاً سآتي. وسوف آتي يوم السبت لأستمع إليكَ في المجمع.»

يسأل يهوذا: «هل أصبحتَ تُعَلِّم، يا يسوع؟»

«نعم يا ابن العمّ.»

ويُقدّم سمعان شرحاً: «وأيّ كلام! آه! لا نسمعه مِن فم آخر!»

يتنهّد يهوذا، مُسنِداً رأسه على يده والمرفق على الركبة، يَنظُر إلى يسوع ويتنهّد. يبدو أنّه يريد الكلام ولا يجرؤ.

يناديه يسوع: «ما بكَ يا يهوذا؟ لماذا تَنظُر إليَّ وتتنهّد؟»

«لا شيء.»

«لا، بل هناك أمر ما. ألم أعد يسوع الذي كنتَ تحبّ، والذي لم تكن تخفي عنه سرّاً؟»

«آه! نعم، إنكَ بالتأكيد ما تزال كذلك، وآه كَم أفتقدكَ، أنتَ، معلّم ابن عمكَ الأكبر سنّاً…»

«إذن تكلَّم.»

«كنتُ أريد أن أقول لكَ… يسوع… كُن متيقّظاً… لديكَ أُمّ… ليس لها سواكَ… أنتَ تريد أن تكون رابي إنّما ليس كالآخرين، وتعرف أكثر منّي أنّ… أنّ الطبقات الـمُتَنَفِّذة لا تسمح بأشياء تُناقِض العادات التي أقاموها. أنا أعرف أسلوب تفكيركَ… إنّه مقدّس… ولكنّ العالم ليس قدّيساً… وهو يُعيِي القدّيسين… يسوع… أنتَ تعرف مصير نسيبكَ المعمدان… إنّه الآن في السجن، وإن لم يمت بعد، فهذا لأنّ ذاك القَذِر حاكم الرُّبع يخشى الجموع وصواعق الله. إنّه قَـذِر ويؤمن بالخرافات وفي الوقت نفسه مجرم ومُتَهَتِّك… أنتَ… ماذا ستفعل؟ أيّ مصير تريد بلوغه؟»

«يهوذا، أنتَ تسألني ذلك، وأنتَ الذي تعرف جيّداً ما أُفَكِّر به؟ هل هذا كلامكَ أنتَ؟ لا. لا تكذب! لقد أُرسِلتَ لتقول لي هذه الأشياء… وطبعاً ليس مِن قِبَل والدتي.»

يَخفض يهوذا رأسه ويصمت.

«تكلّم يا ابن العمّ.»

«أبي… ومعه يوسف وسمعان… تعرف… لمصلحتكَ وتَعاطُفاً معكَ ومع مريم… فهم غير مطمئنّين لما تنوي فعله… و… ويريدونكَ أن تُفَكِّر بوالدتكَ.»

«وأنتَ ماذا تعتقد؟»

«أنا… أنا…»

«أنتَ تتخبّط بين صوت العَليّ وأصوات الأرض. لستُ أقول: “أصوات الأسفل”، أقول أصوات الأرض. يعقوب كذلك وأكثر منكَ. إنّما أنا أقول لكما بأنّ فوق الأرض تُوجَد السماء، وفوق مصالح العالم هناك مصلحة الله. إنّكم في حاجة إلى تغيير نمط تفكيركم، وعندما تتوصّلون إلى ذلك سوف تُصبِحون كامِلِين.»

«لكن… وأُمّكَ؟»

«يهوذا، ليس سواها مَن يملك الحق في تذكيري بواجباتي كابن، حسب المفاهيم الأرضيّة: أي بواجب عَمَلي مِن أجلها، لتأمين متطلّباتها الماديّة، بواجبي في العَون والمواساة، ببقائي إلى جانبها. وهي لا تسألني أيّ شيء مِن هذا القبيل. منذ اللحظة التي حَصَلَت فيها عليَّ وهي تعرف أنّه ينبغي لها أن تفقدني لتعود فتجدني في بُعد أوسع مِن بُعد الوَسَط العائليّ، ومنذ تلك اللحظة وهي تستعدّ لذلك.

ليست هذه الإرادة الـمُطلَقَة في تقديم الذات لله بالشيء الجديد في دمها. فوالدتها قَدَّمَتها للهيكل قبل أن تبتسم للنور. لقد حَدَّثَتني مرّات لا تُحصى عن طفولتها المقدّسة، عندما كانت تضمّني إلى قلبها في ليالي الشتاء الطويلة أو في ليالي الصيف المضيئة التي تعجّ بالنجوم. لقد مَنَحَت ذاتها لله منذ الومضات الأولى لفجر مجيئها إلى العالم، وقد مَنَحَت ذاتها بالأكثر عندما حَصَلَت عليَّ لتكون حيث أنا، على طريق الرسالة التي تأتيني مِن الله.

ستأتي الساعة التي يتخلّى فيها الجميع عنّي. ستكون لدقائق، إنّما سوف يُسَيطر الجُّبن على الجميع وستفكّرون أنّه كان مِن الأفضل لكم أن لا تكونوا قد تعرّفتم عليَّ مطلقاً. إنّما هي، وقد أدرَكَت وهي تَعلَم، ستكون معي على الدوام. وأنتم ستعودون إليَّ بواسطتها. بقوّة إيمانها الـمُتَيَقّن والـمُحِبّ، تجذبكم بذاتها، وهكذا تعيدكم إليَّ لأنّني أنا في والدتي وهي فيَّ ونحن معاً في الله.

أريد أن تُدرِكوا ذلك جميعكم، الأهل حسب العالم، والأصدقاء والأبناء مِن وجهة نظر فائقة الطبيعة. أنتَ، ومعكَ الآخرون، لا تعرفون مَن هي والدتي. لو كنتم تعرفون ذلك، لما كنتم تنتقدونها في قلوبكم لعدم إبقائها إيّايَ خاضعاً لها، بل تُكرِّمونها كصديقة الله الأكثر حميميّة، القادرة التي تتمكّن مِن التأثير بشكل كامل على قلب الآب الأزليّ، وعلى ابن قلبها. سـوف أجيء حتمـاً إلى قـانـا. أريـد أن أُرضِيهـا. وبعد تلك الساعة سوف تُدرِكون بشكل أفضل.» يسوع وَقور ومُقنِع.

يُحَدِّق فيه يهوذا. يفكّر. يقول: «وأنا أيضاً، سآتي معكَ بالتأكيد، وبصحبتهم، لو رغبتَ فيَّ… ذلك أنّني أعتقد أنّكَ تقول أشياء صحيحة. اغفر لي عَمَاي وعَمَى إخوتي، فإنّكَ أقدَس مِنّا كثيراً!…»

«أنا لا أحقد على مَن لا يعرفني، وكذلك الذي يُبغِضني. ولكنّني أتألّم مِن الشرّ الذي يُلحِقونه بأنفسهم. ماذا لديكَ في هذا الكيس؟»

«الثوب الذي أرسَلَته والدتكَ. فالاحتفال غداً كبير. وهي تعتقد أنّ يسوعها في حاجة إليه كي لا يكون مُختَلِفاً بين الـمَدعوّين. لقد نَسَجَت دون كَلَل مِن أوّل النهار حتّى وقت متأخّر مِن الليل، يوميّاً، لِتُهيّئ لكَ هذا الثوب. ولكنّها لم تُنه المعطف. تنقصه الأهداب. وهي حزينة جدّاً لذلك.»

«لا داعي. سأذهب بالذي عليَّ وأَحتَفِظ بالآخر لأورشليم. فالهيكل أهمّ مِن العرس.»

«سوف تُسَرّ بذلك.»

يقول بطرس: «إذا أردتم أن تكونوا عند الفجر على طريق قانا، ينبغي لكم الرحيل مباشرة. سوف يبزغ القمر وسيكون العبور جيّداً.»

«هيّا بنا إذاً. هيّا يا يوحنّا. سوف آخذكَ معي. سمعان بطرس، يعقوب، أندراوس وداعاً. أنتظركم مساء السبت في كفرناحوم. وداعاً يا امرأة. السلام لكِ ولكلّ المنزل.»

يَخرُج يسوع مع يهوذا ويوحنّا. يتبعهم بطرس حتّى الشاطئ ويُساعِد في تحريك المركب ورحيله.

وتنتهي الرؤيا.


يقول يسوع:

«عندما يحين الوقت للقيام بعمل مُنظَّم، سـتندرج رؤيا عرس قانا هنا. اكتبي التاريخ (16 / 01 / 1944)»


23 / 10 / 1944

أمر أُعطِيَ بإلحاح منذ الفجر وتكرَّرَ مرّات ومرّات كي لا أنساه في انتظار إمكانيّة كتابته؛ الشيء الذي فَعَلتُه حالما بَدَأتُ أرى بوضوح.

يقول يسوع: «اكتبي، وكلّ ما قِيل لكِ سيكون على رأس كلّ عمل يُبَلَّغ للناس النزيهين، وليكن مطبوعاً بالآلة الكاتبة حسب ما قُلتُه آنفاً: “إنّه صوت المعلّم. هدير ومُلاطَفة. إنّه هدير عندما يكون موجّهاً لأولئك الذين لا يريدون الاهتداء. وهو مُلاطَفة عندما يتحدّث إلى أولئك الذين رغم كونهم غير كاملين فإنَّهم يمتلكون “الإرادة الصالحة” لإيجاد الله وكلمته، وعند لقائهما فليتقدَّسوا. لهؤلاء تُصبِح الكلمة مُلاطَفة صديق وبركة يسوع”. هذه الكلمات على رأس كلّ عمل. ثمّ مِن أجل الأعمال الأكثر اكتمالاً والـمُستَحسَنة، دائماً مُستَحسَنة لكي لا تُصبِح غير فاعلة بإرادة الفرّيسيّين والصدوقيّين والكَتَبَة والأحبار السيّئة، سيكون مِن الـمُفَضّل إضافة الصلاة إلى الكلمة التي أعطيتكِ إيّاها في 7 كانون الأول (ديسمبر) 1943. هذا يكفي الساعة، ثمّ سوف أُعاوِد المجيء أيضاً.»


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.