34- هَدهَدة العذراء | قصيدة الإنسان – الإله

166
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

34- هَدهَدة العذراء

28 / 11 / 1944

لقد حلمتُ هذا الصباح حُلماً ممتعاً. فقد كنتُ لا أزال في سحابة النوم عندما سمعتُ صوتاً نقيّاً يغنّي بلطف أغنية هَدهَدة بطيئة، قد تَحسبها نشيداً ميلاديّاً لكثرة ما بدت بطيئة وبأسلوب ما قبل الكلّاسيكية. لقد تتبّعتُ هذا الموضوع وهذا الصوت الذي مَنَحَني سعادة متنامية، وأعاد لي صفاء ذهني بتأثير تماوجه العذب. أخيراً استيقظتُ وأدركتُ. قلتُ: «السلام لكِ يا مريم، يا ممتلئة نعمة!» إذ كانت الأُمّ هي التي تُنشِد، وأخَذَت تُنشِد بشكل أقوى بعد أن قالت لي: «وسلامي لكِ كذلك. تعالي وكوني سعيدة!»

رأيتُها في منزل بيت لحم، في الغرفة التي تَشغلها، أثناء هَدهَدة يسوع لينام. وكان في الغرفة نول الحياكة وأعمال خياطة مريم. يبدو أنّ مريم قد قَطَعَت عملها لترضع الطفل، وتُغيّر قمطه أو بالأحرى فوطه، ذلك أنّ عمره قد بَلَغَ أشهراً، ستّة أو ثمّانية أشهر ليس أكثر على ما أظنّ. وقد كان في حسبانها أن تعود إلى العمل بعد أن ينام الطفل.

كان الوقت مساء. والغَسَق المتقدّم تماماً كان قد جَعَلَ السماء ساكنة وموشّاة بندف ذهبيّة. كانت قطعان تعود إلى حظائرها وهي ما تزال تأكل آخر أعشاب حقل مُزهِر وتثغو رافعة فمها.

تأخَّر الطفل في النوم. يبدو أنّه مضطَرِب كما لو كانت أسنانه تؤلمه أو هي مِن آلام الطفولة الأولى.

كتبتُ النشيد، قدر استطاعتي، في ظلمة هذه الساعة التي بالكاد، بالكاد صباحيّة، على قُصاصة ورق، والآن أعيد كتابته هنا.

«أيّتها الغيوم المذهَّبَة التي تبدو كقطعان الربّ. في الحقل الممتلئ بالزهور قطيع آخر يَنظُر. ولكن لو كنتُ أملك كلّ القطعان التي على الأرض، فالحَمَل الأغلى بالنسبة إليَّ هو دائماً أنتَ. نم، نم، نم، نم… ولا تعد تبكي…

ألف نجمة متلألئة هناك في السماء تَنظُر. حدقتاكَ العذبتان، آه! لا تَدَعهُما تدمَعان. عيناكَ اللتان هُما مِن السفير هما نجمتا قلبي. ودموعكَ ألمي! آه! لا تبكِ بعد. نم، نم، نم، نم… ولا تعد تبكي…

كلّ الملائكة المتألّقة التي في الفردوس، جَعَلَت مِن أنفسها إكليلاً لكَ أنتَ البريء، لتستمتع بوجهكَ. ولكنّكَ تبكي وتريد أُمّكَ. تريد الماما، الماما، الماما… التي هي هنا حولكَ لتقول لكَ “دودو”، دودو، دودو، دو… نم، نم، نم، نم… ولا تعد تبكي…

ها هي السماء الورديّة، إنّه الفجر يعود. والماما لم تسترح بعد لكي لا تدعكَ تبكي. إن استيقَظتَ تقول “ماما” فأجيب “ابني”. وعندما أُقَبِّلكَ فالحبّ والحياة هما ما سوف أمنحكَ مع الحليب. نم، نم، نم، نم… ولا تعد تبكي…

لا تستطيع أن تبقى دون أُمّكَ حتّى ولو كنتَ تحلم بالسماء. تعال، تعال! سأجعلكَ تنام تحت وشاحي. صدري وسادتكَ، وذراعاي مهدكَ. لا تخشَ شيئاً! فأنا إلى جانبكَ. نم، نم، نم، نم… ولا تعد تبكي…

سأكون معكَ دائماً، فأنتَ حياة قلبي. إنّه ينام… وكأنّي به زهرة موضوعة على الصدر. إنّه ينام… توخّوا الهدوء التامّ! قد يكون يرى الأب القدّوس… وهذه الرؤيا تمسح دموع يسوعي العذب… ينام، ينام، ينام، ينام، ولم يعد يبكي…»

أقول إن ظُرفَ هذا المشهد غير معقول. فهو ليس سوى أُمّ تُهدهِد لطفلها. ولكن أيّ أُمّ وأيّ طفل! فيمكن إذاً التَّصوُّر أيّة نعمة وأيّ حُبّ وأيّة طهارة وأيّة سماء يتضمّنهم هذا المشهد الصغير الكبير واللذيذ الذي مجرّد ذكراه تُمتعني، والذي يبقى، لتَثبت حقيقته، النَّغَم الذي أُرَدِّده لأُسمِعكم إيّاه أنتم أيضاً، إلّا أنّني لستُ أمتَلِك الحنجرة الفضيّة والصوت النقيّ الذي لمريم، صوت العذراء الخام!… بل إنّني أبدو مثل أكورديون خَرِب. لا يهمّ. سوف أبذل قصارى جهدي. يا لها مِن مسرحيّة رعويّة جميلة تغنّي حول مغارة الميلاد!

كانت الأُمّ في البداية تؤرجِح المهد الخشبيّ ببطء. ثمّ حين رأت أنّ يسوع لم يهدأ، أَخَذَته على ركبتيها وهي جالسة قرب النافذة المفتوحة جانب المهد، وأَخَذَت تؤرجحه بهدوء على إيقاع النشيد. كرَّرَت النشيد والأرجحة مرّتين حتّى أغمض يسوع الصغير عينيه، وهو يدير وجهه صوب صدر أُمّه، وينام هكذا طامراً وجهه الصغير في دفء صدرها، يده مستندة على صدر أُمّه قرب خدّه الورديّ، والأخرى مستسلمة على ثديها. ووشاح مريم كان يغطّي مولودها الصغير المقدّس. ثمّ قامَت مريم بِحِيطة لا متناهية ووَضَعَت يسوع في المهد. غَطّته بقطع خفيفة، ومدَّت وشاحاً يقيه مِن الذباب والهواء، وجَلَسَت تتأمّل كنزها النائم.

كانت يدها على قلبها والأخرى مستندة على المهد مُستعدّة للأرجحة إذا ما أوشَكَ الطفل على الاستيقاظ، وكانت تبتسم، مُشرِقة، مُنحنية قليلاً على المهد، بينما كان الظلام والسكون يَهبطان على الأرض، ويُخيّمان على الغرفة البتوليّة الصغيرة.

يا له مِن سلام! يا له مِن جمال! إنّني مفتونة!

ليست رؤيا توحي بالعَظَمَة، وقد يُحكَم عليها بأنّها لا جدوى منها ضمن مجموع بقيّة الرؤى لأنّها لا تُظهِر شيئاً لـه خصوصيّته. أنا أعرف ذلك. إلّا أنّها بالنسبة لي نعمة حقيقيّة. فأنا أُقَيِّمها على هذا الأساس، إذ إنّها تبعَث في نفسي التي يخترقها الحبّ هدوءاً ونقاء وكأنّها تُخلَق مِن جديد بيدي الأُمّ. أظنُّها مِن هذا الـمُنطَلَق ستعجبكم أنتم أيضاً. إنّنا صغار جدّاً. وهذا أفضل! بذلك نُعجِب يسوع. وأمّا الآخرون، علماء كانوا أم مُعَقَّدين، فليُفكّروا بما يحلوا لهم، مُعتَبِرين إيّانا “طفوليّين” فليس لنا أن نهتمّ بكلّ هذا. أليس كذلك؟


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.