42- نقاش يسوع مع علماء الهيكل | قصيدة الإنسان – الإله

701
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

42- نِقاش يسوع مع علماء الهيكل

28 / 01 / 1944

أرى يسوع، بعمر المراهقة، مُرتدياً جلباباً، يبدو لي مِن الكتّان الأبيض يَصِل حتّى القدمين، ومُلتَحِفاً فوقه بقطعة مستطيلة حمراء زاهية. لا يغطّي رأسه شيئاً وشعره طويل يَصِل إلى منتصف أذنيه، وهو داكن أكثر مما رأيتُه عليه عندما كان صغيراً. إنّه صبيّ قويّ، حجمه كبير بالنسبة إلى سنّه، ولكنّ وجهه هو بحقّ وجه طفوليّ.

يَنظر إليَّ ويبتسم مادّاً ذراعيه. إنّها ابتسامة تشبه تلك التي رأيتُها عندما أصبَحَ بالِغاً: عذبة مع كونها جادّة. إنّه وحيد. لستُ أرى شيئاً آخر في هذه الآونة. إنّه يَستَنِد على جدار صغير على طريق ضيّقة صاعدة-هابطة، طريق حجريّة ينخفض وسطها فتتحول أيّام الشتاء إلى مجرى ماء. وهي الآن جافّة لأنّ النهار جميل.

يتهيّأ لي أنّني أقترب مِن الجدار وأنظُر إلى ما حوله وما تحته كما يفعل يسوع. أرى مجموعة منازل متجمّعة دونما ترتيب. منها ما هو عال، ومنها ما هو منخفض، وتتّجه إلى كافة الاتّجاهات. هذا يشبه -التشبيه فقير ولكنّه صحيح تماماً- قبضة حصى بيضاء مُلقاة على أرض قاتمة. الطرق والدروب فيها تَظهَر كأوردة وسط هذا البياض. وهنا وهناك تشمَخ أشجار بين الجدران. منها ما هي مُزهِرة ومنها ما هي مكسوّة بأوراق جديدة. يُفتَرَض أنّه الربيع.

إلى اليسار، بالنسبة إليَّ أنا التي أنظُر، هناك تجمّع سكني كبير قائم على ثلاثة صفوف مِن الأرصفة المغطّاة بالأبنية. ثمّ أبراج وساحات وأروقة يشمَخ في وسطها بناء شاهق، عظيم وثريّ جدّاً، ذو قبب مدوّرة تلمع في الشمس كما لو كانت مغطّاة بمعدن، ربما نحاس أو ذهب. وكلّ ذلك مُحاط بسور ذي شرفات على شكل M كما لو كانت حصناً. ويُشرِف على هذا التجمع الكبير برج بارز أعلى منه، يتطاول فوق طريق ضيّقة، تحسبه حارساً صارماً.

يُحدِّق يسوع بهذا المكان، ثمّ يعود ليسند ظهره مِن جديد إلى الجدار، كما كان سابقاً، ثمّ يَنظُر إلى تلة صغيرة مقابِلة للتجمُّع، تلة مغطّاة بالبيوت حتّى قاعدتها، وما بعد القاعدة عار. أرى طريقاً تنتهي هناك بِقَوس تليها طريق مرصوفة بالحجارة الرباعيّة غير المنتظمة والمجتمعة بشكل سيّئ. الحجارة ليست كبيرة جدّاً مثل حجارة الطريق القنصليّة الرومانيّة، ولكنّها بالأحرى تشبه الحجارة الكلاسّيكيّة لأرصفة فياريجيو القديمة (لستُ أدري إذا ما كانت قائمة بعد) ولكنّها مجموعة بشكل سيّئ.

إنّها طريق سيّئة. أصبَحَ وجه يسوع جادّاً لدرجة أنّني شَرَعتُ أبحث في تلك التلة عن سبب هذه الكآبة. ولكنّني لم أَجِد شيئاً مميّزاً. إنّه مرتَفَع عار، وهذا كلّ شيء. بالمقابل أضعتُ يسوع. فعلاً، عندما استدرتُ لم يعد هناك. وغفوتُ مع هذه الرؤيا.

عندما استيقظتُ مع ذكرى هذه الرؤيا في القلب، وبعد استعادة قليل مِن القوّة والهدوء، ذلك أنّ الناس جميعهم نيام، وجدتُ نفسي في مكان لم أره مِن قبل، فيه ساحات وينابيع وبيوت أو بالأحرى هي أجنحة أكثر ممّا هي بيوت. إنّها تبدو بالفعل أجنحة أكثر منها بيوتاً. هناك جمع غفير يرتدون الزيّ اليهوديّ القديم، وأصوات كثيرة. وعندما نظرتُ حولي، تنبّهتُ إلى أنّني داخل هذا التجمّع الذي كان يسوع يَنظُر إليه.

أرى بالفعل السّور ذا الشرفات الذي يحيط بها، والبرج الذي يُشبه الخفير، وكذلك البناء الضخم الذي ينتصب في الوسط، والذي تستند إليه الأروقة الجميلة جدّاً والواسعة، حيث تُوجَد جموع كثيرة، منهم مَن يهتمّ بأمر ومنهم مَن يهتمّ بآخر.

تنبّهتُ إلى أنّني داخل أسوار هيكل أورشليم. أرى فريّسيّين بثيابهم الطويلة الـمُتماوِجة، وكَهَنَة بأثواب كتّان مع صفيحة مِن معدن ثمين على قمّة الصدر وعلى الجبهة وفي أماكن أخرى، وهي تلمع هنا وهناك على الأثواب الفضفاضة البيضاء المحصورة عند الخصر بحزام ثمين. ثمّ هناك آخرون بأقلّ زركشة يُفتَرَض أنّهم ينتمون إلى السلك الكَهَنوتيّ وهم محاطون بتلاميذ أصغر سنّاً. أرى أنّهم علماء في الشريعة.

أجد نفسي تائهة وسط كلّ هذه الشخصيّات دون أن أَعلَم سبب وجودي بينهم. أدنو مِن مجموعة مِن الأحبار حيث بَدَأَت مناقشة لاهوتيّة، وتقترب كذلك جموع غفيرة.

بين العُلماء هناك مجموعة على رأسهم جملائيل مع عجوز شبه أعمى يُسانِده أثناء المناقشة، وأَسمَعه يناديه هيليل، ويبدو أنّه أستاذ أو قريب لجملائيل، لأنّ هذا الأخير يعامله بثقة واحترام. لمجموعة جملائيل نظرة أرحَب مِن مجموعة أخرى، وهي الأكثر عدداً، ويقودها سياماي، وتتّصف بالتشدّد البغيض والرجعيّ، وهي التي يُسَلِّط عليها الإنجيل الضوء.

جملائيل، تُحيط به مجموعة هامّة مِن التلاميذ يتحدّث عن مجيء ماسيا، مُعتَمِداً على نبوءة دانيال ليَدعَم مقولة أنّه يجب أن يكون ماسيا قد وُلِد. بالفعل، منذ ما يزيد عن العشر سنوات تقريباً اكتَمَلَت الأسابيع السبعون المحدّدة. إذا ما بُدِئ بالعد منذ لحظة إعادة بناء الهيكل.

ويُجابِهه سياماي مؤكّداً أنّه لو كان صحيحاً أنّ الهيكل قد أعيد بناؤه، فليس أقلّ صحة أنّ استعباد إسرائيل مستمرّ في التزايد، وأن السلام الذي كان مُفتَرَضاً أن يجلبه ذاك الذي أسماه الأنبياء “أمير السلام” بعيد جدّاً عن التحقّق في العالم، وخاصّة في أورشليم المضطَهَدة مِن قِبَل عدوّ يجرؤ على بسط سيطرته حتّى سور الهيكل، حيث يُشرِف برج أنطونيا المليء بالجنود الرومان الجاهزين ليَقمَعوا بالسيف كلّ انتفاضة وطنيّة.

تمتدّ المناقشة المليئة بالجَدَل العقيم. كلّ معلّم يُظهِر عِلمه، ليس لكسب الجولة ضدّ مُنافِسه بقدر ما يكون ذلك لفرض إعجاب السامعين به. ولقد كانت هذه النيّة جليّة.

مِن مجموعة المؤمنين المتراصّة يَبرز صوت طفوليّ نَديّ: «الحقّ إلى جانب جملائيل.»

يتحرّك الجمع ومجموعة الأحبار ليَبحَثوا عن الذي قاطَعَهم. إنّما لا حاجة إلى البحث، فهو لا يختبئ. ها هو يَظهَر ويقترب مِن مجموعة الحاخامِين. أتعرّف على يسوعي وهو بعمر المراهقة. إنّه واثق مِن نفسه وصريح، وعيناه تشعّان ذكاء.

يسألونه: «مَن أنتَ؟»

«أنا ابن لإسرائيل، أتيتُ أتمّم ما تفرضه الشريعة.»

إجابَته الجريئة الواثقة جَعَلتهُ جذّاباً ويستحقّ ابتسامات الاستحسان والحفاوة. فاهتَمّوا بالإسرائيليّ الصغير.

«ما اسمكَ؟»

«يسوع الناصريّ.»

تقلّ الحفاوة عند جماعة سياماي. ولكن جملائيل، وبحفاوة أكثر، يُتابِع النقاش بنفس الوقت مع هيليل. أو بالأحرى هو جملائيل الذي يقول للعجوز باحترام: «سَل الصبيّ.»

فيسأله هيليل: «علامَ تبني تأكيدكَ؟»

(سوف أَضَع الاسم في مَطلَع كلّ إجابة لأوجز وأجعلها أكثر وضوحاً).

يسوع: «على النبوءة التي لا يمكن أن تخطئ بالزمن. وعلى الدلالات التي رافَقَتها عندما حان موعد تحقيقها. صحيح أنّ قيصر يسيطر علينا، ولكن العالم كان مستكيناً جدّاً وفلسطين هادئة جدّاً عندما انتهت الأسابيع السبعون، حتّى أمكن لقيصر أن يأمر بإجراء إحصاء في ممالكه. لم يكن ليستطيع ذلك لو أنّ حرباً كانت مشتعلة في إمبراطوريّته، أو أنّ ثورة كانت قائمة في فلسطين. وبما أنّ الزمن كان قد تمّ هكذا فستتمّ الفترة الأخرى، الأسابيع الإثنان والستون وزيادة واحد منذ إكمال بناء الهيكل، لكي يُكرَّس الماسيا وتتحقّق تتمّة النبوءة في الشعب الذي لم يَقبَلهُ. هل يمكنكم الشكّ في ذلك؟ هل تَذكُرون النجم الذي رآه حكماء الشرق، والذي تَوَضَّع تماماً في سماء بيت لحم قضاء يهوذا، وأنّ النبوءات والرؤى منذ يعقوب وما تلاه تُحدّد هذا المكان كمُختار لاستقبال ولادة الماسيا ابن ابن ابن يعقوب عَبْر داود الذي كان مِن بيت لحم؟ ألا تَذكُرون بلعام؟ “نجم يُولَد مِن يعقوب”. حكماء الشرق الذين فَتَحَت الطهارة والإيمان عيونهم وآذانهم قد رأوا النجم وعرفوا اسمه: “ماسيا”، وأتوا ليَسجدوا للنور الذي أضاء العالم.»

يَنظُر إليه سياماي ممتقعاً: «أتقول إنّ ماسيا قد وُلِد في زمن النجم في بيت لحم إفراتا؟»

يسوع: «لقد قلتُ ذلك.»

سياماي: «إذاً فَلَم يعد له وجود. ألا تَعلَم أيّها الصبيّ أن هيرودس قد قَتَلَ الأطفال الذكور مِن ابن يوم حتّى سنتين في بيت لحم وما يحيط بها؟ أنتَ الذي تعرف الكتاب جيّداً ويجب أن تعرف هذا جيّداً: “صراخ يعلو… راحيل تبكي على بَنيها”. وديان بيت لحم وتلالها تَقَبَّلَت عويل راحيل المائتة، وبقي هذا العويل يملؤها. وقد رَدَّدَته الأُمّهات على أطفالهنّ المقتولين. وبينهنّ بكلّ تأكيد كانت أُمّ ماسيا.»

يسوع: «أنتَ تخطئ أيّها العجوز. فبكاء راحيل قد تبدَّل بـــ “أوشعنا”. لأنّ راحيل الجديدة التي وَلَدَت “ابن الآلام” مَنَحَت للعالم الابن المفضّل للآب السماوي، ابن يمينه، الذي اختير ليجمع الشعوب تحت سيادته ويحرّرها مِن العبوديّة الرهيبة.»

سياماي: «وكيف ذلك إذا كان قد قُتِل؟»

يسوع: «ألم تقرأ ما كُتِبَ عن إيليا؟ لقد رُفِع في عربة مِن نار. والربّ الإله، ألا يستطيع إنقاذ عمانوئيل ليكون ماسيا شعبه؟ وهو الذي شقَّ البحر أمام موسى ليصل إلى إسرائيل أرضه بقدمين جافّتين؟ ألم يكن باستطاعته أن يأمر الملائكة فتنقذ ابنه، مسيحه مِن وحشيةّ الإنسان؟ الحقّ أقول لكَ: المسيح حيّ بينكم وعندما تأتي ساعته سوف يَظهَر بقدرته.» وعندما قال يسوع تلك الكلمات التي أَشَرتُ إليها، كان صوته يُجَلجِل ويملأ المكان، عيناه تلمعان أكثر مِن المعتاد، وبما أنّه كان متأثّراً بالقُدرة والوعد فقد مَدَّ ذراعه ويده اليمنى كما للقَسَم. إنّه طفل ولكنّه وَقور وقار رجل كهل.

هيليل: «مَن لَقَّنَكَ هذا الكلام أيّها الصبيّ؟»

يسوع: «روح الله. ليس لي معلّم بشريّ. وما تَسمَعونه مِن شفتيَّ ما هو إلا كلام الله.»

هيليل: «تعال بيننا لأراكَ عن قُرب أيّها الصبيّ! لقد أُنعِش رجائي باحتكاكه بإيمانكَ، ونفسي تستضيء بشمس نَفْسكَ.»

وأُجلِسَ يسوع على كرسي مرتفع بين جملائيل وهيليل، وأتوا إليه بلُفافات ليَقرأها ويَشرحها. إنّه امتحان في القانون والشريعة. فتدافَعَت الجموع لتستمع.

ويَقرأ يسوع بصوته الطفوليّ: «”تَعزَّ يا شعبي. تَحدَّثوا إلى قلب أورشليم، وَاسوها فإنّ عبوديتها قد انتهت… صوت صارخ في البرية: أعِدّوا طريق الربّ… حينئذ يَظهَر مجد الربّ…”»

سياماي: «انظر أيّها الناصريّ! هنا يجري الكلام عن العبوديّة التي انتهت. ولم نكن في يوم عبيداً كما نحن الآن. وكذلك الكلام عن سابق. أين هو؟ إنّكَ تهذي!»

يسوع: «أقول لكَ إنَّ السابق يدعوكَ أنتَ أكثر مِن الآخرين، أنتَ وأمثالكَ. وإلّا فلن ترى مجد الربّ ولن تفهم كلام الله، لأنّ الدناءة والكبرياء والنّفاق يحجبون عنكَ الرؤية والإنصات.»

سياماي: «أهكذا تتكلّم مع معلّم؟»

يسوع: «هكذا أتكلّم وهكذا سوف أتكلّم حتّى الممات. ذلك أن فوق مصلحتي هي مصلحة الربّ وحبّ الحقّ الذي أنا ابنه. وأُضيف لكَ أيّها الحاخام إنّ العبوديّة التي يتكلّم عنها النبيّ والتي أتكلّم عنها أنا أيضاً ليست تلك التي تظنّها أنتَ، والـمَلِك كذلك ليس الذي تُفكّر فيه أنتَ. إنّما على العكس، فباستحقاقات ماسيا يتحرّر الإنسان مِن عبوديّة الشرّ الذي يفصله عن الله، وشخصيّة المسيح تنطَبِع على النفوس الـمُحَرَّرة مِن كلّ نِير، والخاضعة لِـمُلكه الأزليّ. كلّ الأمم تنحني، يا ذريّة داود، أمام البذرة المولودة منكَ والصائرة شجرة تغطّي الأرض كلّها وترتفع إلى السماء. كلّ فم في السماء وعلى الأرض يمجِّد اسمه، وكلّ ركبة تجثو أمام المقدَّس مِن الله، أمير السلام، ذلك الذي تنتشي منه كلّ نفس تَعِبة وتَشبَع به كلّ نفس جائعة، القائد القدّوس الذي يُقيم رابطة بين السماء والأرض، ليست كتلك التي أُنجِزَت مع آباء إسرائيل عندما أخرجهم الله مِن مصر، بمعاملتهم كعبيد، إنّما بطبع فكرة الأبوّة السماويّة، في نفوس البشر مع النعمة المتدفّقة حديثاً فيهم باستحقاقات الفادي الذي به يَعرف الربّ الأخيار، وهيكل الله لن يُهدَم ولن يُدَمَّر.»

سياماي: «ولكن لا تُجدّف أيّها الصبيّ! تذكّر دانيال. إنّه يقول إنّ بعد موت المسيح سيُدمّر على يد شعب وقائد يأتي لهذا الغرض، وأنتَ تجزم أنّ هيكل الله لن يُهدَم! احتَرِم الأنبياء!»

يسوع: «الحقّ أقول لكَ إنّه يوجد مَن هو أعظم مِن الأنبياء وأنتَ لم تعرفه ولن تعرفه لأنّ الرغبة في معرفته تنقصكَ. وأؤكّد لكَ أنّ كلّ ما قُلتُه حقّ. لن يعرف الهيكل الحقيقيّ الموت. ولكنّه مِثل الذي يُقدّسه يقوم مِن الموت إلى الحياة الأبديّة، وفي نهاية العالم يَحيَى في السماء.»

هيليل: «اسمع أيّها الصبيّ. يقول حجاي: “… ويأتي الذي تتمنّاه الأمم جميعاً. وسيكون مجد ذاك البيت الأخير أعظم مِن الأوّل”. هل يُحتَمَل أن يكون الهيكل الذي أراد الحديث عنه هو نفسه الذي تتكلّم عنه أنتَ؟»

يسوع: «نعم، يا معلّم، هو هذا ما كان يريد قوله. إنّ استقامتكَ تُسَيِّركَ في طريق النور، وأنا أقول لكَ: عندما تتمّ تضحية المسيح يأتيكَ السلام لأنّكَ إسرائيليّ لا غشّ فيكَ.»

جملائيل: «قُل لي يا يسوع. السلام الذي يتكلّم عنه الأنبياء، كيف يمكن الرجاء به إذا كانت الحرب ستقوم لتُدَمِّر هذا الشعب؟ تكلّم وأَنِرني أيضاً.»

يسوع: «ألا تَذكُر أيّها المعلّم ما قاله أولئك الذين حَضَروا ليلة ولادة المسيح؟ ما رَتَّلَته جموع الملائكة: “السلام للناس ذوي الإرادة الحسنة”. ولكنّ إرادة هذا الشعب ليست حَسَنة ولن يكون لـه سلام. سوف يتنكّر لـمَلِكه العادِل المخلِّص، لأنّه يَنتَظِر مَلِكاً يرتدي القُدرة البشريّة بينما هو مَلِك الروح. هذا الشعب لن يحبّه لأنّ المسيح سيكرز بما لا يروق لـه. لن يُحارِب المسيح أعداء مجهّزين بعربات وخيل، إنّما أعداء النَّفْس الذين يَنحَدِرون بقلب الإنسان المخلوق للربّ، إلى المتعة الدنيا. وليس هذا هو النصر الذي ينتظره منه شعب إسرائيل. سيأتي مَلِكك، يا أورشليم، راكباً “أتاناً وجحشاً”، يعني أبرار إسرائيل والوثنيّين. ولكنّ الجحش، أقول لكم، يكون أكثر وفاء له ويتبعه سابقاً الأتان، وينمو على طريق الحقّ والحياة. سوف تَفقد إسرائيل السلام بسبب سوء إرادتها وتتألّم في ذاتها على مدى قرون بالذي جَعَل مَلِكها يتألّم جاعلاً إيّاه بسببهم رجل الآلام الذي يتكلّم عنه اشعيا.»

سياماي: «فمكَ أيّها الناصريّ يتفوّه بأقوال صبيانيّة وتجديفات، أجِبني: أين هو السابق؟ متى حصلنا عليه؟»

يسوع: «إنه موجود. ألم يقل ملاخي: “ها أنا ذا مُرسِل ملاكي، فيهيّئ الطريق أمامي، وفي الحال يأتي إلى هيكله السيد الذي تلتمسونه وملاك العهد الذي تَرغَبون به بحرارة”؟ إذاً فالسابق يأتي مباشرة قبل المسيح. ولقد أصبَحَ هنا كالمسيح. فلو كان الفارق سنوات بين الذي يُهيّئ الطريق للربّ والمسيح لتعرقَلَت كلّ الطرق وانحَرَفَت. الله يعرف ذلك وقد قرَّرَ أن يَسبق السابق المعلّم بساعة واحدة فقط. عندما تَرَون هذا السابق ستستطيعون القول: “إنّ رسالة المسيح قد ابتدأت”. ولكَ أقول: سيفتَح المسيح أعيناً كثيرة وآذاناً كثيرة عندما يأتي في طُرُقه. ولكنّها لن تكون تلك التي لكَ ولأمثالكَ. ذلك أنّكم ستَهِبونه الموت مقابل الحياة التي يحملها إليكم ولكن، حينئذ، سيكون الفادي على عرشه وعلى هيكله أعظم مِن هذا الهيكل وأسمى مِن تابوت العهد المحتَجَز في قدس الأقداس، وأَرفَع مِن المجد الذي يحميه الشيروبيم. سيكون الفادي على عرشه وعلى هيكله، واللعنة لقَتَلة الله، والحياة سوف تتدفّق للأمم مِن جراحاته الألف والألف. ذلك أَنّه، يا أيّها المعلّم الذي يجهله، أكرّر ذلك، ليس مَلِك مملكة بشريّة، بل إنّما هو مَلِك روحيّ، وأَتباعه سيكونون فقط الذين يعرفون بحبّهم أن يُولَدوا مِن جديد بالروح، ومثل يونان، بعد الولادة الأولى، يُولَدون مِن جديد على شواطئ أخرى، أَتبَاع الله عبر الولادة الجديدة بالروح التي ستأتي بواسطة المسيح الذي يَهِب الحياة الحقيقيّة للبشريّة.»

سياماي ومَن حوله: «هذا الناصريّ شيطان!»

هيليل وأتباعه: «لا. بل إنّ هذا الصبيّ هو نبيّ الله. ابق معنا أيّها الصغير. ستَنقل شيخوختي كلّ معارفها إلى علمكَ وستكون معلّم شعب الله.»

يسوع: «الحقّ أقول لكَ: لو كان أمثالك كُثُر لأتى المجد لإسرائيل. ولكنّ ساعتي لم تأتِ. وأصوات السماء تُكلّمني، ويجب أن أتلقّاها في الوحدة والعزلة حتّى تأتي ساعتي. حينئذ سوف أتوجّه إلى أورشليم بشفتيَّ ودمي، وسيكون مصيري مصير الأنبياء الذين رَجَـمَتْهم وقَتَلَتْهم. ولكن أعلى مني يوجد الربّ الإله الذي أَخضَع له أنا ليجعل منّي مرقاة مجده بانتظار أن يجعل هو مِن العالم مرقاة لقدم المسيح. انتظروني في ساعتي. سوف تَسمَع هذه الحجارة صوتي مِن جديد وترتعد عند كلمتي الأخيرة. طوبى للذين يَسمَعون الله مِن خلال هذا الصوت وبواسطته يؤمنون به. لهؤلاء يَمنَح المسيح مُلكه الذي تحلم به أنانيّتكم بشريّاً بكلّيته، بينما هو سماويّ. بخصوص قدوم هذا الـمَلِك، أنا أقول: “ها هو خادمكَ يا ربّ الآتي ليتمّم مشيئتكَ. حَقِّقها كاملة، فأنا أتحرّق لإتمامها.»

هنا تنتهي رؤيا يسوع بوجهه المتأجّج بحرارة روحيّة، متّجهاً صوب السماء فاتحاً يديه واقفاً وسط الأحبار المذهولين.


29 / 01 / 1944

عليَّ هنا أن أُحدِّثكم عن أمرين يهمّانكم بكلّ تأكيد، وكنتُ قد قرّرتُ كتابتهما عند استيقاظي. ولكن بما أنّ هناك ما هو أهم فسأكتبهما فيما بعد.

هذا ما كنتُ أودُّ قوله منذ البداية:

كنتم اليوم تسألونني كيف استطعتُ معرفة أسماء هيليل وجملائيل وسياماي. إنّه الصوت الذي أسمّيه “الصوت الثاني” وهو الذي يقول لي هذه الأمور. إنّه صوت أقلّ إدراكاً بالحسّ مِن صوت يسوع والآخرين الذين يُملون عليَّ. هذه الأصوات، قُلتُها وأُكرِّرها، تَسمَعها مَسامِعي الروحية كما لو كانت أصواتاً بشريّة. أَسمَعها عذبة أو مغتاظة، ضاحكة أو حزينة، تماماً كأنَّ أحداً يُكلّمني عن قرب. بينما هذا “الصوت الثاني” على العكس، فهو مثل نور، مثل حسّ داخليّ يتكلّم في روحي. قلتُ: “في” روحي، ولم أقل  “إلى” روحي. هذا هو بالتحديد.

وهكذا حينما كنتُ أدنو مِن مجموعة الرجال الذين يتجادلون دون معرفـة مَن يكون هذا الشخص العظيم الذي، إلى جانب أنّه عجوز، كان يتكلّم بكثير مِن الحرارة. هذا “الصوت الداخليّ” قال لي: «جملائيل، هيليل». نعم، أوّلاً جملائيل ثمّ هيليل. لا أَشُكّ بهذا أبداً. وعندما تساءَلتُ مَن يكون هؤلاء، حَدَّدَ لي جهاز المراقبة الداخليّ الشخص الثالث، ثقيل الظَلّ، تماماً حين ناداه جملائيل باسمه. وهكذا استطعتُ معرفة ذاك الذي كان له مَظهَر الفرّيسيّ. واليوم، جهاز المراقبة الداخليّ هذا يُفهِمني كيف كنتُ أرى الكون بعد موته. هو هكذا وغالباً في الرؤى، هو الذي يُفهِمني كثيراً مِن التفاصيل التي لا يمكن أن أفهَمها مِن ذاتي، ومِن الضروريّ أن أُدرِكها. لستُ أدري ما إذا كنتُ قد استطعتُ التعبير جيّداً. ولكنّي سأدع هذا جانباً لأنّ يسوع بدأ يُكَلِّمني.


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.