مقدمة كتاب التعليم المسيحي YOUCAT، البابا بنديكتوس السادس عشر

1٬315

مقدمة  كتاب التعليم المسيحي YOUCAT


البابا بنديكتوس السادس عشر

401516_476172325747685_441748169_n
———————————
اصدقائي الشباب الاحباء

انصحكم اليوم بقراءة كتاب غير عادي. انه غير عادي بمحتواه, وايضاً بالظروف التي رافقت كتابته. اود ان احدثكم قليلاً عن نشأته, حتى ينجلي للحال لكم ما يميزه.

نشأ هذا الكتاب عن كتاب اخر صدر في الثمانينات, حيث كن الزمن صعباً للكنيسة كما للمجتمع, وكان من الضروري فيه اعتماد توجهات جديدة لشق الطريق نحو المستقبل. فبعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965), وفي مناخ التبدلات الثقافية, لم يعد الكثيرون يعرفون ما يؤمن به المسيحيون حقا, وما تعلمه الكنيسة, واذا ما كان بعد بامكانها ان تعلم شيئاً. وراحوا يتساءلون: كيف لتعليم الكنيسة ان يجاري نطاقاً ثقافياً يتبدل من اساسه؟ الم يتخطى الزمن مسيحية كهذه؟ وهل الايمان اليوم بطريقة عقلانية؟ هذه الاسئلة طرحها الناس حتى المسيحيون الصالحون منهم.

يومها اتخذ البابا يوحنا بولس الثاني قراراً شجاعاً. اذ دعا اساقفة العالم بأسره الى وضع كتاب يجيبون فيه عن هذه الاسئلة . وقد اوكل الي مهمة تنسيق العمل , وجمع دراسات الاساقفة في كتاب واحد, يكون كتاباً حقيقياً, وليس مجموعة مواضيع متنوعة. كان على هذا الكتاب ان يحمل العنوان القديم: “التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية”, على ان يكون جذاباً وجديداً, فيظهر ما تؤمن به الكنيسة الكاثوليكية اليوم ويؤكد ان الايمان لا يناقض العقل.

صُدمتُ لهذه المهمة. واقر اني شككت في امكانية تحقيقها. فكيف يمكن لمؤلفين منتشرين في شتى انحاء العالم ان يؤلفوا معاً كتاباً يكون في متناول الجميع؟ وكيف يستطيع بشر يعيشون في قارات, تختلف ليس جغرافياً فحسب بل فكرياً وروحياً , ان يؤلفوا معاً نصاً ذا وحدة متماسكة يكون مفهوماً في كل القارات؟ فضلاً عن ذلك , كان على هؤلاء الاساقفة ان يكتبوا مع اخوتهم وكنائسهم المحلية. بالنسبة الي , اني اعترف ان نجاح هذا المشروع هو حقاً معجزة.

لماذا اروي كل هذا ؟
حين عملنا على انجاز كتاب التعليم المسيحي, كان علينا الاخذ بعين الاعتبار ان الاختلاف ليس محصوراً بين مختلف القارات وثقافات شعوبها, بل انه, داخل كل مجتمع يوجد ايضاً “قارات” مختلفة : فتفكير العامل غير تفكير الفلاح, والفيزيائي غير عالم اللغة, والمتعهد في البناء غير الصحافي, والشاب غير العجوز. لذا كان علينا اعتماد مستوى في اللغة والتفكير يتخطى هذه الفروقات , لذا بحثنا عن المكان المشترك ما بين هذه الذهنيات المتباينة, ومن هنا تأكد لنا اكثر فأكثر, ان النص يحتاج الى “ترجمات” موجهة الى شعوب العالم بأسره كي تؤثر بهم في مسيراتهم وتساؤلاتهم الشخصية.

كثيرون يقولون لي: هذا العمل لا يهم شبيبة اليوم. اني اخالفهم الرأي , وانا متيقن اني على حق. فشباب اليوم ليسوا سطحيين, كما يظن البعض. فهم يرغبون حقاً في معرفة ما هو المهم في الحياة. فالقصة البوليسية هي مشوقة لانها تدخلنا في مصير اناس اخرين, قد يكون مصيرهم مصيرنا نحن ايضاً. وهذا الكتاب مشوق, لانه يتكلم عن مصيرنا. ويخص كلاً منا في الصميم.

لذلك ادعوكم: ادرسوا التعليم المسيحي. هذه رغبة قلبي. فهذا التعليم لا يكلمكم بالفم. وهو لا يقدم لكم السهولة, بل يتطلب منكم حياة جديدة. انه يعرض عليكم رسالة الانجيل كاللؤلؤة الثمينة (متى46/13) التي في سبيلها يبذل الانسان كل شيء. لذا ارجوكم: ادرسوا التعليم المسيحي بشغف ومثابرة , كرسوا له الوقت اللازم , ادرسوه في سكون غرفتكم , اقرأوه مع شخص صديق لكم. شكلوا لدرسه فرقاً بعضكم مع بعض وشبكات تواصل على الانترنت. وفي كل الاحوال, ابقوا في حوار بشأن ايمانكم.

عليكم ان تعرفوا بماذا تؤمنون. عليكم ان تعرفوا ايمانكم بدقة كما يعرف اختصاصي المعلوماتية, بنية الحاسوب. عليكم ان تفهموا ايمانكم كما يفهم الموسيقي الماهر مقطوعته الموسيقية. نعم , عليكم ان تكونوا في الايمان اكثر تجذراً من جيل اهلكم, لكي تستطيعوا مواجهة تحديات ومغريات العصر بقوة وعزم. انتم تحتاجون الى المعونة الالهية, ان كنتم تريدون فعلاً الا يتبخر ايمانكم كما تتبخر قطرات الندى في الشمس, وحتى لا تستسلموا لمغريات عالم الاستهلاك, وحتى لا يتلطخ حبكم في المشاهد الخلاعية, وان كنتم تريدون الا تخونوا الضعفاء والا تبقوا غير مبالين حيال ضحايا الحياة.

وان اقدمتم على درس التعليم المسيحي بغيرة, فاني اود ان ازودكم بنصيحة اخيرة: تعرفون جميعاً كيف جُرحت جماعة المُؤمنين في الايام الاخيرة من خلال هجمات مغرضة, ونفاذ الخطيئة الى داخلها, الى قلب الكنيسة. فلا تتخذوا ذلك حجة لتهربوا من وجه الله , انكم انتم جسد المسيح, انتم الكنيسة , احملوا نار حبكم المتقد الى هذه الكنيسة التي غالباً ما يشوه البشر وجهها:”لا تستسلموا الى اللامبالاة بل ضعوا غيرتكم التي ينعشها الروح في خدمة الرب: (رو11/12).

حين كان شعب اسرائيل في اسفل درجات تاريخه, لم يدع الله كبار هذا العالم ووجهاءه الى نجدته, بل شاباً اسمه ارميا. شعر ارميا انه دون المهمة, فصرخ:”ربّي وإلهي, لا أعرف ان اتكلم لاني صغير” (ار6/1). لكن الله لم يتراجع, فقال له:”لا تقل اني صغير, فلكل ما ارسلك له تذهب, وكل ما آمُرك به تُعلنه” (ار7/1).

إنّي أباركُكم وأصلّي من أجلِلكم جميعاً كلّ يوم.
البابا بنديكتوس السادس عشر

sign_benedict_05


مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.