10- في عبوديتنا ليسوع المسيح ولمريم

508

في عبوديتنا ليسوع المسيح ولمريم

الحقيقةُ الثانية. نظراً لما هو يسوع المسيح إلينا، يمكن أن نستنتج بأننا لسنا ابداً لذاتنا، بل كما يقول الرسول (1كور 6: 19) إننا بجملتنا له، كأعضائه وعبيده الذي اشتراهم بثمنٍ لا مُتناهٍ، ألا وهو دمُه. وكنا قبل المعمودية كعبيد للشيطان، وأصبحنا بالعماد عبيداً حقيقيين ليسوع المسيح. فلا يحقُ لنا بعد أن نحيا أو نشتغل أو نموت الا لكي نُعطيَ ثماراً لهذا الالهِ الانسان (رومية 7: 4) فنجدُه في جسدنا، ونملكه في نفسنا، لأن صرنا ملكه وشعبه المكتسب وميراثه.

لهذا يشّبهُنا الروح القدس (مز 3:1، يوحنا 12:15، 11:10، متى 3:13) 1: بالأشجار المغروسة على مجرى مياه النعمة، في حقل الكنيسة والتي يجب أن تعطي ثمارها في أوانها 2: بأغصان الكرمة التي أصلُها يسوع المسيح، والتي يجبُ أن تحمل عنباً جيداً 3: بالقطيع الذي يرعاه يسوع والذي يجب أن ينمو ويعطي حليباً 4: بالأرض الجيدة التي يحرثها الله، والتي يجب ان تنمو وتزداد وتعطي الواحدة ثلاثين وستين ومائة. لأن لعنَ بسوع التينة العقيمة (متى 19:21) وشجب العبد الكسلان الذي لم يتاجر بوزنته (متى 24:25-30). إن يسوع ينتظر من أشخاصنا الحقيرة ثماراً، أي اعمالاً صالحة، تخصُه هو وحده، «لأنا مخلوقون في الاعمال الصالحة في يسوع المسيح» (افسس 10:2)، فهذه الكلمات الصادرة من الروح القدس، تبيّنُ بأن يسوع هو المبدأ الوحيد، ويجب أن يبقى الغاية الوحيدة لكافة اعمالنا الصالحة، وان نخدمه لا كخدامٍ بأجرة، بل بالأحرى كعبيده المحبين.

هناك نوعان من الانتماء، بهما يتبعُ المرء شخصاً آخرَ ويخضعُ لسلطته، إما بسبب الاجرة، فيقدمُ له خدمته لقاء ذلك ونسميه خادماً، وإما لأنه عائدٌ له بجملته وندعوه عبداً، في الخدمة الاعتيادية يتعهدُ المرءُ خدمة الآخر لحين ما لقاء اجرته، بينما في العبودية، يصبحُ الانسانُ خاضعاً للآخر بكليته وطيلة حياته، دون مقابلٍ أو أجرةٍ البتة.

أما العبودية فهي على ثلاثة أشكال: أي طبيعيةٌ، وقسريةٌ وطوعيةٌ. فبالأولى، جميعُ الخلائقِ هم عبيدُ الله: «للرب الأرضُ بملئِها» (مز 1:23). وبالثانية، هم الشياطين والهالكون. أما بالنوع الثالث، فهم الابرارُ والقديسون. وهذه الأخيرة هي الأكمل والتي تعطي المجدَ لله أكثر، لأنه ينظرُ إلى القلبَ (1ملوك 7:16)، ويطلبُ القلبَ (امثال 26:23) ويُدعى بالهِ القلب (مز 26:72)، فهي عبوديةُ حبٍ، لأننا بواسطتها نحبُ الله فوق كلِ شيء، ونحبُ خدمته رغم أن الطبيعة لا تلزمُنا بذلك.

هناك فرقٌ كليٌّ بين الخادمِ والعبد. 1) الخادمُ لا يقدّمُ لسيده كل ما هو فيه أو له، أو يمكنه الحصول عليه بنفسه أو بواسطة غيره، بينما العبدُ يقدمُ لسيده ذاته بجملتها وكل ما يملك، أو يمكنُه أن يكتسبَه دون استثناء. 2) يشرطُ الخادمُ على سيده أُجرةً، لقاء الخدمة المقدمة له، بينما العبدُ لا يقوى على مطالبته بشيء مهما اظهر في خدمته من مثابرة أو مهارة أو قوة. 3) يستطيع الخادمُ أن يهجرَ سيدَه كل ما طاب له ذلك، أو أقله عند انتهاء الزمن المتفق عليه، اما العبد، فلا يقدر قط أن يتركه مهما أراد. 4) لا حقَ للسيد على حياة أو ممات خادمه، واذا ما قتله فإنه يرتكبُ جرماً يعاقَب عليه، أما العبد فحياتُه ومماته هما طوعُ إرادةِ سيده، فيقدرُ أن يبيعَه لمن يشاء أو حتى أن يقتله كما لو قتل حيوانا له. 5) أخيراً، الخادم هو عند سيده لأجَلٍ معيّنٍ فقط، بينما العبدُ هو دائماً.

لا شيء يربطنا بالبشر أقوى من العبودية، ولا شيء أوثق يتحدُ المسيحيين بيسوع المسيح وأمه القديسة، من العبودية الطوعية، على غرار يسوع الذي «اخذ صورة عبد» (فيلبي 7:2) حباً بنا، وقالتِ العذراءُ مريم عن ذاتها: «ها أنذا امةٌ للرب» (لوقا 38:1) ويتشرف بولس الرسول بلقب «عبد المسيح» (روميه 1:1، غلاطيه 10:1، فيلبي 1:1، طيطس 1:1). ويدعو الكتاب المقدس المسيحيين، مرات عديدة، «عبيد المسيح». فإن هذه الكلمة حسب الملاحظة الدقيقة التي يعلمها كاتبٌ كبير لم تكن فيما مضى الا العبودية الحقيقية، يستعمل أيضاً «التعليم المسيحي» لمجتمع ترنت، كلمة «عبد»، وليس خادم، ويقول: «إننا عبيدُ يسوع المسيح».

وعلينا أن نكون عبيدَ يسوع المسيح وأن نخدمه لا فقط كخدامٍ بأجرة، ولكن مثل عبيدٍ نتيجة محبتنا العظمى له، ويكفينا شرفُ الانتماء إليه.

إن ما أقوله عن عبوديتنا المطلقة ليسوع المسيح، أقوله نسبياً عن عبوديتنا لمريم القديسة. لأن يسوع اختارها رفيقة غيرَ منفصلةٍ لحياته ومماتِه ومجدِه وقدرتِه على الأرض وفي السماء، فأعطى لها بنعمته الفائضة كل الحقوق والامتيازات التي يملكها هو بالطبيعة. يقول القديسون: «كلُ ما يليقُ بالله حسبَ الطبيعة، يليقُ أيضاً بمريم حسبَ النعمة». لذا لكليهما نفسُ الرعايا والعبيد.

حسب فكر القديسين وكثيرين من الرجال العظام، على المرء أن يعلن ذاته عبداً محباً للعذراء الطوباوية ليصيرَ عبداً أكملَ ليسوع المسيح. لأن العذراء مريم هي الواسطةُ التي استخدمها ابنُها للمجيء إلينا، فعلينا نحن أيضاً أن نستخدمها كواسطتنا للذهاب إليه. إنها ليست كبقية الخلائق التي إذا ما تعلَّقنا بها، تُبعدُنا عن الله غايتنا، بل بالأحرى تُقرّبنا منه. فلا رغبة اعظَمَ لمريم من أن تتحدَنا مع ابنِها يسوع. ولا شوقَ ايضاً احر للابن من ان نصلَ اليه بواسطة امه الطوباوية. لأننا بذلك سنعطي له شرفاً أكبر وفرحاً اعظم، تماما كما نُفرحُ ملكاً ونعطي له شرفاً أكثر، عندما نصبح عبيداً للملكة، لإظهار ذاتِنا أننا من اخلص الرعايا وأحبِ العبيدِ له. لذا يُصرّح القديسون، وأخصُّ بالذكرِ منهم القديس بونافنتورا القائل: إن الاقترابَ منها هو الطريق إلى المسيح».

بما ان العذراء القديسة هي ملكة السماء والارض، كما يقولُ القديسون، إذن كلُ البرايا هم رعاياها وعبيدُها. أليسَ من المنطق أن يكونَ بجانب عددٍ كبير من العبيد قَسراً، عبيدٌ ايضاً عن مجردِ حبٍ واختيار؟ الا يوجدُ للبشر وحتى للشياطين عبيدٌ متطوعون؟ لما لا يمكنُ ان يكونَ لمريم ايضاً؟ أليس أمراً مشرفاً للملك أن يكونَ للملكة عبيدٌ يفدونها بحياتهم؟ من يتجاسر أن  يزعمَ أو أن يفكرَ بأن ربنا يسوع الذي كان خيرَ البنين، يكونُ احترامُه وحبُه لوالدته أقلَّ من حبِ حشويرش لأستير، أو سليمان لبتشاباع؟

إذا ما هناك أُناس لا يروق لهم ان يتسَموّا عبيداً لمريم، فليقولوا ويصبحوا حقاً عبيداً ليسوع، وهذا يكفي ليجعلَهم بذات الفعل عبيداً أيضاً لمريم، لأن يسوع ثمرةُ مريم ومجدُها وهذا ما يُرادُ بالتكريم الحقيقي.


كتاب الإكرام الحقيقي للعذراء مريم
 ✞  السابق     ✞  البداية     ✞  التالي 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.