في طريق الصليب المقدّس الملكيّة

614

الفصل الثاني عشر

في طريق الصليب المقدّس الملكيّة

1 – إنه لصعبٌ على الكثيرين هذا الكلام: “أنكر نفسك، واحمل صليبك واتبع يسوع” (لوقا 9: 23).

ولكنه سيكون أصعب جدًا سماع هذه الكلمات الأخيرة: “إليكم عني يا ملاعين إلى النار الأبدية” (متى 25: 41).

فالذين يرتاحون الآن إلى سماع وصية الصليب واتباعها، لن يخافوا حينئذٍ أن يسمعوا حكم الهلاك الأبدي.

“وإن علامة الصليب هذه ستكون في السماء حينما يأتي الرب للدينونة” (متى 24: 30).

حينئذٍ جميع عبيد الصليب، الذين تشبهوا في حياتهم بالمصلوب، يدنون إلى المسيح الديان، بثقةٍ عظيمة.


2 – فلم تخاف إذن من حمل الصليب، الذي به يُذهب إلى الملكوت؟

في الصليب الخلاص، في الصليب الحياة، في الصليب الحماية من الأعداء، في الصليب فيضان العذوبة العلوية، في الصليب قوة النفس، في الصليب فرح الروح، في الصليب تمام الفضيلة، في الصليب كمال القداسة.

لا خلاص للنفس، ولا أمل في الحياة الأبدية، إلاَّ في الصليب.

فاحمل إذن صليبك واتبع يسوع، تبلغ إلى الحياة الأبدية.

لقد سبقك هو “حاملًا صليبه” (يوحنا 19: 17)، ومات لأجلك على الصليب، لكي تحمل أنت أيضًا صليبك، وتتوق إلى الموت على الصليب.

فإنك “إن مت معه، فستحيا أيضًا معه” (رومانيين 6: 8)، وإن شاركته في العذاب، فستشاركه في المجد أيضًا.


3 – ها في الصليب قوام كل شيء، وفي الموت أساس كل شيء؛ وليس من طريقٍ آخر إلى الحياة والسلام الداخلي الحق، سوى طريق الصليب المقدس، والإماتة اليومية.

اذهب حيثما شئت، واطلب كل ما أردت، فإنك لن تجد في العلو طريقًا أسمى، ولا في الانخفاض طريقًا آمن من طريق الصليب المقدس.

دبر ورتب كل شيءٍ وفق إرادتك ورأيك، ولكنك لن تجد أبدًا شيئًا آخر، سوى أنه لا بد لك من التألم في شيءٍ ما، شئت أم أبيت. وهكذا ستجد الصليب على الدوام.

فإما أن تشعر بالأوجاع في جسدك، وإما أن تعاني ضيق الروح في نفسك.


4 – تارةً يَخذُلُكَ الله، وطورًا يزعجك القريب، وما هو أعظم من كليهما، أنك كثيرًا ما تكون، أنت نفسك، ثقلًا على نفسك.

ومع ذلك، فما من دواءٍ ولا تعزيةٍ لتخلصك أو التفريج عنك؛ بل عليك أن تصبر إلى ما شاء الله.

فإن الله يريد تدريبك على احتمال الضيق بدون تعزية، لتخضع له خضوعًا تامًا، وتعود من الضيق أكثر تواضعًا.

ما من أحدٍ يشعر حتى صميم قلبه، بآلام المسيح، مثل من أُوتي أن يحتمل آلامًا تشبهها.

فالصليب مهيأٌ أبدًا، وهو ينتظرك في كل مكان.

لا تستطيع التملص منه أينما هربت، لأنك حيثما ذهبت فأنت تحمل معك نفسك، وتجد دائمًا نفسك.

أُنظر إلى ما فوق وانظر إلى ما أسفل، أُنظر إلى ما هو خارج عنك وانظر إلى ما في داخلك، تجد الصليب فيها كلها.

فعليك بالصبر في كل مكان، إن شئت الحصول على السلام الداخلي، واستحقاق الإكليل الخالد.


5 – إن حملت الصليب طوعًا، حملك هو، وسار بك إلى الغاية المشتهاة، حيث انتهاء الألم – وإن لم يكن ذلك في هذه الحياة؛

وإن حملته على كراهية، فقد حملت حملًا يزيد في أثقالك؛ ومع ذلك فلا بد لك من حمله.

وإن أطرحت صليبًا، وجدت بلا شك صليبًا آخر، وقد يكون أثقل منه.


6 – أتظن، أنت، أنك تتملص مما لم يستطع قط بشرٌ أن يفلت منه؟

من من القديسين خلا، في حياته، من صليبٍ ومضايق؟

فإنه ولا ربنا يسوع المسيح، قد خلا ساعةً واحدة في حياته كلها من معاناة الآلام.

فلقد قال: “كان ينبغي للمسيح أن يتألم ويقوم من بين الأموات، ثم يدخل هكذا إلى مجده” (لوقا 24: 26، 46).

فكيف تطلب أنت طريقًا أُخرى، غير هذه الطريق الملكية طريق الصليب المقدس؟


7 – حياة المسيح كانت كلها صليبًا واستشهادًا، وأنت تطلب لنفسك الراحة والفرح؟

إنك لفي ضلالٍ لفي ضلال، إن طلبت شيئًا آخر سوى مقاساة المضايق، لأن هذه الحياة المائتة، مفعمةٌ كلها بالشقاء ومكتفة بالصلبان؟

وبمقدار ما يسمو الإنسان في التقدم الروحي، يجد في الغالب صلبانًا أثقل، لأن عذاب منفاه يتزايد بسبب حبه.


8 – غير أن الرجل المبتلى بمثل هذه المحن الكثيرة، لا يكون بغير تعزيةٍ تخففها؛ لأنه يشعر بتزايد الثمار العظيمة، الناتجة من احتمال الصليب.

فإنه عندما يخضع للصليب طوعًا، ينقلب كل ثقل الشدائد ثقةً بالتعزية الإلهية.

وبمقدار ما يسحق جسده بالبلوى، تزداد روحه قوةً بالنعمة الداخلية.

ولقد يشدده أحيانًا حبُّ المضايق والشدائد، لرغبته في التشبه بالمسيح المصلوب، بحيث لا يريد البقاء بلا أوجاع ومضايق، لتيقنه أنه يضحي أكثر قبولًا لدى الله، بمقدار ما تكثر وتشتد المحن التي يستطيع احتمالها لأجله.

على أن ذلك لا يتم بقدرة الإنسان، بل بنعمة المسيح، التي لها من القوة والفعل في الجسد الضعيف، ما يجعله يقبل، بحرارة الروح، على ما كان يتجنب دائمًا، فيحبه بعد إذ كان يكرهه من طبعه.


9 – ليس من طبع الإنسان حمل الصليب وحب الصليب، وقمع الجسد واستعباده، والهرب من الكرامات، واحتمال الإهانات برضى، واحتقار الذات، وتمني الاحتقار من الآخرين، واحتمال الشدائد والمضار، وعدم ابتغاء شيءٍ من النجاح في هذه الدنيا.

فإن نظرت إلى نفسك، فأنت لا تستطيع بذاتك شيئًا من ذلك؛ لكنك إن اتكلت على الرب، تُعطى القوة من السماء، فيخضع لسلطانك العالم والجسد.

بل إنك لا تخاف حتى عدوك إبليس، إن كنت متسلحًا بالإيمان، ومتسمًا بصليب المسيح.


10 – فمثل عبدٍ للمسيح صالحٍ أمين، أعدد نفسك لأن تحمل ببسالةٍ صليب ربك، الذي صلب حبًا لك.

أعدد نفسك لاحتمال شدائد كثيرة، وضيقاتٍ شتى، في هذه الحياة الشقية، فذلك نصيبك أينما اختبأت.

ذلك ما لا بد منه، ولا دواء للنجاة من المضايق والشرور والأوجاع، إلاَّ اعتصامك بالصبر.

إشرب بشوقٍ كأس الرب، إن اشتهيت أن تكون صديقًا له، وأن يكون لك نصيب معه.

فَوّض إلى الله أمر التعزيات، وليتصرف فيها بما يكون أكثر مرضاة له.

أما أنت، فأعدد نفسك لاحتمال المضايق، وعدها كأعظم التعزيات، لأن “آلام هذا الدهر، لا تتناسب والمجد الآتي” (رومانيين 8: 18) فتستحقه لك، ولو استطعت أن تحتملها كلها أنت وحدك.


11 – فإذا أصبحت، من الكمال، بحيث تضحي المضايق لديك عذبةً مستطابةً لأجل المسيح، حينئذٍ، احسب نفسك سعيدًا، إذ قد وجدت النعيم على الأرض.

ما دمت تستثقل الآلام وتطلب التملص منها، فأنت في شقاء؛ وأينما ذهبت، تبعتك المضايق التي تهرب منها.


12 – إن أعددت نفسك لما لا بد منه – أعني التألم والموت – فسرعان ما تطيب نفسًا وتجد السلام.

فإنك، ولو “اختطفت مع بولس إلى السماء الثالثة” (2كورنثيين 12: 2)، لست لذلك في مأمن من كل بلية، “فإني سأريه – يقول يسوع – كم ينبغي له أن يتألم من أجل اسمي” (أعمال 9: 16).

فما لك إذن سوى التألم، إن شئت أن تحب يسوع وتخدمه على الدوام.


13 – يا ليتك كنت أهلًا لأن تحتمل بعض الشدَّة، لأجل اسم يسوع! إذن فما أعظم ما كنت تذخر لنفسك من المجد! وما أعظم ما كان ينشأ عن ذلك، من الفرح لجميع قديسي الله، ومن البنيان للقريب!

الجميع يوصون بالصبر، فيما الذين يرضون بالاحتمال قليلون.

إنه ليحق لك بصواب، أن تحتمل، عن نفسٍ طيبة، يسيرًا من الآلام لأجل المسيح، فيما الكثيرون يحتملون أعظم من ذلك لأجل العالم.


14 – اعلم يقينًا أن حياتك كلها ينبغي أن تكون موتًا، وأنه بمقدار ما يموت الإنسان عن نفسه يبتدئ يحيا لله أكثر فأكثر.

ما من أحدٍ أهلٌ لإدراك السماويات، إن لم يخضع نفسه لاحتمال الشدائد من أجل المسيح.

لا شيء، في هذا العالم، أكثر مرضاة لله، ولا أعظم فائدة لخلاصك، من التألم بطيبة نفس لأجل المسيح.

ولو خيرت، لوجب عليك أن تؤثر احتمال الشدائد حبًا للمسيح، على التمتع بوفرة التعزيات، إذ تكون بذلك أكثر مشابهةً للمسيح، وأشدَّ مماثلةً لجميع القديسين.

فإن استحقاقنا وتقدمنا لا يقومان بكثرة العذوبات والتعزيات، بل بالأولى، باحتمال الشدائد والمضايق العظيمة.


15 – لو كان ثمة شيءٌ أفضل وأنفع لخلاص البشر، من التألم، لكان المسيح، بلا شك، أرشدنا إليه بالقول والمثال.

لكنه يحرض صريحًا على حمل الصليب، التلاميذ الذين تبعوه، وجميع الراغبين في اتباعه قائلًا: “من أراد أن يتبعني، فلينكر ذاته، ويحمل صليبه ويتبعني” (متى 16: 24).

فبعد استقصائنا في المطالعة والبحث، لنستنتج، أخيرًا، أنه “بمضايق كثيرة، ينبغي لنا أن ندخل ملكوت الله” (أعمال 14: 21).


✞السابق  الفهرس  التالي

مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.