س28 : لماذا لا تسمح الكنيسة الكاثوليكية بأي استثنائات في حالة الطلاق، ألم يسمح المسيح بالطلاق في حالة الزنا ؟

3٬742

س28 : لماذا لا تسمح الكنيسة الكاثوليكية بأي استثنائات  في حالة الطلاق، ألم يسمح المسيح بالطلاق في حالة الزنا ؟

23613872064_278c7e328d_o

الكنيسة الكاثوليكية لا تقدم أيّ استثناءات عندما يتعلق الأمر بالطّلاق لأن المسيح لم يعطى استثنائات! نعود ثانية للمطران سليم بسترس، ونقتبس الآتي نصًّا، لتوضيح هذه المعضلة:

مع أن بعض الشعوب تسمح في بعض الأحيان بزواج يُعقَد لفترة محدّدة من الزمن، إلاَّ أنّ الزواج في معظم الحضارات ولدى معظم الشعوب يُعقَد مبدئياً لمدى الحياة كلها. أما الطلاق، أي فسخ عقد الزواج وانفصال الزوجين أحدهما عن الآخر والسماح لهما بعقد زواج آخر، فنجده لدى معظم الشعوب القديمة، مع أنّ بعضاً منها يمنعه منعاً باتاً وصريحاً. الشعوب السامية القديمة كانت تجيزه. وقد سمحت به شريعة موسى، وفق ما جاء في سفر تثنية الاشتراع: “إذا اتّخذ رجل امرأة، وتزوّجها، تمّ لم تنل حظوة في عينيه لأمر غير لائق وجده فيها، فليكتب لها كتاب طلاق ويسلّمها إيّاه، ويصرفها من بيته” (تث 24: 1). لقد كان تفسير هذا النصّ، ولاسيّما عبارة “أمر غير لائق وجده فيها”، موضوع خلاف بين علماء الناموس عند اليهود. وفي أيّام السيّد المسيح، كان هناك موقفان من تفسير هذه الآية. فأتباع المعلّم هِلِّل كانوا يجيزون الطلاق لأيّ علّة: فإذا رأى الرجل أنّ امرأته لا تجيد الطبخ، أو إذا وجد أجمل منها، حقّ له أن يطلّقها.

أمّا أتباع المعلّم شِمعي فكانوا يحصرون سبب الطلاق في حالة الزنى.
في إطار هذا الاختلاف في التفسير، نفهم سؤال الفريسيين للسيد المسيح: “هل يحل للرجل أن يطلّق زوجته؟”، كما جاء في مرقس (10: 2). أو: “هل يحلّ للرجل أن يطلّق زوجته لكلّ علّة؟”، كما جاء في متّى (19: 3). إن جواب السيد المسيح في إنجيل مرقس يشجب الطلاق دون أيّ استثناء: “فأجاب وقال لهم: بِمَ أوصاكم موسى؟ قالوا: لقد أمر موسى بأن يُكتَب صكّ طلاق، وأن تُخَلَى. فقال لهم يسوع: إنّه لقساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية. ولكن، في بدء الخليقة، ذكراً وأُنثى خلقها الله، فلذلك يترك الرجل أباه وأمه… وكلاهما يصيران جسداً واحداً. ومن ثمَّ فليسا هما اثنين بعد، بل هما جسد واحد. فما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان. وفي البيت سأله التلاميذ عن ذلك أيضاً. فقال لهم: مَن طلق امرأته وتزوّج أخرى، فقد زنى عليها. وإن طلّقت امرأة رجلها وتزوّجت آخر فقد زنت” (مر 10: 2- 12).

وكذلك نجد في إنجيل لوقا شجباً للطلاق دون أيّ استثناء: “فكلّ مَن طفق امرأته وتزوّج أخرى فقد زنى؛ ومَن تزوّج امرأة طلّقها رجلها فقد زنى” (لو 16: 18). الاستثناء الوحيد الذي يبدو أنه يجيز الطلاق في العهد الجديد نجده في إنجيل متى في نصَّين: “لقد قيل: مَن طلَّق امرأته فليدفع إليها كتاب طلاق. أمّا أنا فأقول لكم: إنّ مَن طلَّق امرأته -إلاَّ في حالة الزّنى- فقد عرَّضها للزّنى؛ ومَن تزوّج مطلّقة فقد زنى” (متى 5: 31- 32). “وإنّي أقول لكم: مَن طلَّق امرأته -إلاَّ في حالة الزّنى- وتزوّج أخرى، فقد زنى” (متى 19: 9).

يرى بعض المفسّرين المعاصرين أنّ الاستثناء الذي يرد في إنجيل متى “إلاَّ في حالة الزّنى” لا يشير إلى الخيانة الزوجية في زواج شرعي قائم، بل إلى حالة زواج غير شرعي كالتسرّي أو احدى الحالات المناقضة للناموس التي يرد ذكرها في سفر الأحبار (18: 6- 18). فيكون معنى قول السيّد المسيح أنه لا يحقّ للرجل أن يطلِّق زوجته، إلاَّ إذا كان زواجه بها غير شرعي. أمّا في القرون الأولى، فقد فسّر معظم آباء الكنيسة هذه الجملة بقولهم إنّه يحق للرجل أن يطلّق زوجته الزانية، ولكن من غير أن يباح لأيّ منهما بعقد زواج آخر، بل يسعيان إلى المصالحة حسب قول بولس الرسول، الذي يذكر وصيّة من السيد المسيح نفسه:” أمّا المتزوّجون فأُوصيهم، لا أنا بل الرب: أن لا تفارق المرأة رجلها. وإن فارقته، فلتلبث غير متزوّجة، أو فلتصالح رجلها؛ وأن لا يترك الرجل امرأته” (1 كو 7: 10- 11).

إنّ التفسير المتشدّد للاستثناء الذي يرد في إنجيل متى هو أكثر انسجاماً مع ما جاء به السيّد المسيح من جديد بالنسبة إلى تفسيرات المعلّمين اليهود الذين كانوا يجيزون الطلاق “في حال الزّنى”، ومع تأكيده إعادة الزواج إلى ما أراده الله في بدء الخليقة، إذ إنّ موسى لم يسمح بالطلاق إلاَّ لقساوة قلوب الأقدمين.

إن معظم الآباء الشرقيين، من أمثال كيرلس الاسكندري وباسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي ويوحنا الذهبي الفم، قد اتخذوا موقفاً متسامحاً في معالجتهم الأمور الرعائية الطارئة، ولكن دون إباحة الطلاق بشكل شرعي أو قانوني. يقول المطران بطرس الراعي:” من المعروف أن القديس باسيليوس الكبير (330- 379) اتخذ في بعض أجوبته لأسئلة طُرحت عليه حول حالات رعائية خاصة، موقف المتساهل والعاذر، بشرط أن يخضع أصحابها لممارسات التوبة التي تفرضها القوانين المقدسة، قبل أن يُقبَلوا للاشتراك مع سائر المؤمنين في الليتورجيا الإلهية. فعذَرَ مثلاً رجلاً هجرته امرأته فتزوّج أخرى، ولم يعتبر هذه الأخيرة امرأة زانية. إنّمَا فرض عليهما ممارسات توبة شديدة، تخفيفاً لوضعهما الشاذّ قانوناً، والمستعصى تنظيمه وحلّه اجتماعياً ورعوياً. وكذلك غضّ النظر عن رجل هجر زوجته وتزوّج أخرى. وفي كل الأحوال لم يكن يعني هذا التسامح رضى عن الواقع أو اعتبار هذا الزواج الثاني بمثابة سرّ مقدّس كما هو عليه الزواج الأول. فكان هذا التسامح أشبه بغضّ النظر منه بقبول وضع شرعي أو قانوني… ثمّ إنّ المسؤولين الكنسيّين في الشرق ما لبثوا أن وسّعوا غضّ النظر حول حالات أخرى للطلاق نصَّ عليها تشريع الامبراطور يوستنيانوس. وما عتّم التشريع الكنسي الشرقي أن تأثّر شيئاً فشيئاً بهذا الوضع… أمّا الكنيسة الغربية، فبعد أن جرى الرعاة فيها على طريقة إباحة الزواج الثاني لأسباب يعود معظمها إلى الخيانة الزوجية، عادت، ابتداءً من القرن الثاني عشر، ففرضت رسمياً في قوانينها لا انحلالية الزواج في حالة الزنى. وفسّرت الجملة الاعتراضية الواردة في إنجيل الرسول متّى تفسيراً لا يتعدّى حقّ الانفصال، أي من غير مسّ بلا إنحلالية الوثاق الزوجي”.

إن اللاهوتيين الأرثوذكس يفسّرون السماح بالطلاق في حال الزنى بقولهم أن مادة سرّ الزواج هي الحب. والزّنى يعني أن الحب لم يعد قائماً بين الزوجين. لذلك فالطلاق الذي تعلنه الكنيسة ليس من شأنه فسخ الزواج ولا إزالة الحب. إنّمَا هو مجرّد إعلان بأن الحب بين الزوجين قد تلاشى، وبأن الزواج بالتالي لم يعد قائماً. ويعتبرون موت الحب شبيهاً بالموت الجسدي وبموت الإيمان في حال الجحود.

ان الكنيسة الشرقية، بقبولها الطلاق كحالة استثنائية، تؤكّد الاحترام للشخص البشري ولسرّ الحب. فالحب لا يمكن أن يُفرَض على الإنسان. والأمانة الزوجية، كالإيمان والاستشهاد، يجب أن تبقى عمل الحرية، وإلاّ فلا قيمة لها. هناك حالة سمح فيها بولس الرسول نفسه بالطلاق، دعيت “الامتياز البولسي”. ففي بدء المسيحية كان بحدث أن يهتدي إلى المسيحية أحد زوجين كانا قد عقدا زواجهما في اليهودية أو الوثنية. فكان السؤال: هل يتوجّب على من صار مسيحياً أن يبقى على زواجه، أم يستطيع أن يفسخه ويتزوّج من جديد مع شخص مسيحي؟ على هذا السؤال أجاب بولس الرسول:” أمّا الباقون فأقول لهم، أنا لا الرب: إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة، وهي ترتضي أن تقيم معه، فلا يتركها؛ والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهو يرتضي أن يساكنها، فلا تترك رجلها. لأن الرجل غير المؤمن يقدّس بمالمرأة المؤمنة، والمرأة غير المؤمنة تقدّس بالأخ المؤمن. وإلاّ فيكون أولادكم نجسين، والحال أنّهم قدّيسون. ولكن، إن فارق غير المؤمن، فليفارق؛ فليس الأخ أو الأخت مستعبداً في مثل هذه الأحوال، فإنّ الله قد دعاكم لتعيشوا في سلام. فما أدراكِ، أيتها المرأة، أنّك تخلّصين رجلكِ؟ وما أدراكَ، أيها الرجل، أنّك تخلّص امرأتك؟” (1 كو 7: 12- 16).ان القديس يوحنا الذهبي الفم، في تعليقه على هذا النصّ، يقول: “إنّ فسخ الزواج أفضل من الهلاك”. فهناك حالات خاصة تفرغ فيها الحياة الزوجية من جوهرها، ولا بدّ للكنيسة من أن تأخذ منها موقفاً خاصاً لخلاص الإنسان.


ترجمة بتصرف اسرة القديس توما الاكويني، أضغط للذهاب إلى قسم كتاب الكنيسة الكاثوليكية لديها الجواب

مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.