7- تطهير حنّة وتقدمة مريم | قصيدة الإنسان – الإله

631
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

7- تطهير حنّة وتقدمة مريم

28 / 08 / 1944

إنّي أرى يواكيم وحنّة مع زكريّا وأليصابات يَخرجون مِن منزل في أورشليم، مِن المؤكّد أنّه منزل أصدقاء أو أقرباء. إنّهم يتوجّهون صوب الهيكل للمشاركة في طقوس التطهير.

الطفلة بين يدي حنّة مقمّطة بشكل جيّد، يلفّها غطاء صوفيّ خفيف المفروض أنّه ناعم ودافئ. إنّها تحمل وليدتها الصغيرة بعناية بالغة وحبّ لا يوصف، وتراقبها وهي ترفع طرف الغطاء الناعم والدافئ بين آونة وأخرى لتَرى ما إذا كانت مريم تتنفّس بشكل جيّد، ثمّ تعود لتغطّيها فتحميها وتقيها مِن الهواء البارد في يوم جميل مِن أيّام الشتاء، ولكنّه يوم بارد!

كانت أليصابات تحمل رُزَماً بين يديها. ويواكيم يجرّ حَمَلين كبيرين ناصعي البياض مربوطين بحبل، إنّهما أكثر مِن حَمَلين، إنّهما بالأحرى خروفان. لم يكن زكريّا يحمل شيئاً. إنّه وسيم جدّاً في ثوبه الكتّاني الذي يَظهَر مِن خلال معطفه الصوفيّ الأبيض الثقيل. زكريّا أكثر شباباً ممّا كُنتُ قد رأيتهُ عند ولادة المعمدان، وهو بكامل قوّته. أليصابات أيضاً في سنّ ناضجة ولكنّها تبدو نَضِرَة.

وفي كلّ مرة كانت حنّة تنظر إلى الطفلة، كانت تنحني بنشوة على الوجه الصغير النائم، وهي أيضاً كانت جميلة جدّاً بثوبها اللازورديّ المائل إلى البنفسجيّ القاتم، ووشاحها الذي يغطّي رأسها وينزل على كتفيها وعلى المعطف الأغمق لوناً مِن الثوب.

كان يواكيم وحنّة بشكل خاصّ مهيبين في ثياب العيد. على غير عادته، لم يكن يواكيم مرتدياً جلبابه الكستنائيّ الداكن، بل ثوباً طويلاً أحمر داكناً – كما يُطلَق عليه اليوم لون أحمر القديس يوسف – أمّا أهداب معطفه فجديدة وجميلة، وعلى رأسه نوع مِن الوشاح المستطيل المحاط بشريط دائريّ مِن الجلد. كلّ ثيابه كانت جديدة وناعمة.

حنّة! آه! لا تلبس ثوبها الداكن اليوم! بل هي ترتدي ثوباً أصفر فاتحاً جداً، يشبه لون عاج عتيق، تشدّه على الخصر وحول العنق والأكمام بشريطة تبدو مِن الذهب والفضة، كما تغطّي رأسها بوشـاح رقيق جدّاً حتّى يبدو كأنّه مدمقس، ومثبَّت على جبهتها بشريحة نفيسة. وفي عنقها عقد مصاغ، وفي معصمها أساور. حتّى لَتَحسبها ملكة حقيقيّة لمهابتها وهي ترتدي الثوب، خاصّة المعطف الأصفر الفاتح بحاشيته الموشّاة برسومات بديعة. لوناً على لون.

تقول لها أليصابات: «يبدو لي وكأنّي أراكِ يوم زفافكِ، كنتِ يومئذ طفلة صغيرة، إلاّ أنّني أتذكّركِ جيّداً، كم كنتِ جميلة وسعيدة!»

«ولكنّني الآن أنا كذلك، بل أنا أكثر من ذلك، لقد أردتُ أن أظهَر بنفس ذاك المظهَر في هذا الاحتفال، لقد احتفظتُ به ليوم العيد هذا… وأنا لا أمل لي بارتداء ثيابي هذه في يوم كهذا بعد…»

تقول أليصابات بتنهّد: «لقد أحبّكِ الربّ كثيراً.»

«لأجل ذلك أُقَدِّم له أحَبّ ما لديّ، هذه الزهرة… زهرتي.»

«كيف ستستطيعين انتزاعها مِن صدركِ عندما تزفّ الساعة؟»

«أتذكّر أنّها لم تكن وأن الربّ أعطانيها. سأكون أكثر سعادة في تلك الساعة، عندما أعلَم أنّها في الهيكل، سأقول لنفسي: “إنّها تصلّي عند خيمة تابوت العهد، ستصلّي لإله إسرائيل مِن أجل والدتها أيضاً”. سأشعر بالسلام، بل سأختبر سلاماً أعظم وأنا أقول لنفسي: “إنّها لـه بكاملها، وعندما لا يعود العجوزان اللذان تَلَقَّياها مِن السماء في الوجود يبقى، هو الأزليّ، أباها”. ثقي بي، إنّني متأكّدة بأنّ هذه الطفلة ليست لنا، لسنا نملكها، فأنا لم أكن في وضع أستطيع معه شيئاً… هو زَرَعَها في أحشائي، هبة إلهيّة، ليمسح دموعي ويثبّت رجاءنا وصلاتنا. إذاً هي لـه. أمّا نحن فلسنا سوى حرّاس سعداء… فليتمجّد اسمه!»

ها هُم وقد وصلوا أمام جدران الهيكل.

«عندما تمضون إلى البوّابة، سأذهب أنا لأخبر الكاهن، ثمّ أعود.» قالها زكريّا وغاب خلف قنطرة، هي مدخل إلى ساحة كبيرة محاطة بأروقة.

تابَعَ الجَّمع التقدّم عبر شرفات متتالية – لستُ أدري ما إذا كنتُ قد تحدّثتُ عن ذلك سابقاً – إنّ سور الهيكل على مستويات مختلفة، ولكنّه يتوالى صعداً بمسطّحات متتالية أكثر ارتفاعاً الواحدة عن الأخرى. وكلّ شرفة يُرتقَى إليها بِدَرَجات، وهي محاطة بساحات وأروقة ومداخل رائعة مِن الرخام والبرونز والذهب.

قبل الوصول إلى مكان الالتقاء، توقَّفوا ليُخرِجوا مِن الرُّزم الأشياء التي جُلبَت: فطائر كما يبدو لي، كبيرة ومنبَسِطة والسمن فيها وفير. طحين أبيض وحمامتان في قفص، وقطعتا فضّة كبيرتان: إنّه نوع مِن العملة الثقيلة، لدرجة أنّه كان مِن حسن الحظّ آنئذ أنّه لم يكن هناك جيوب، وإلاّ لكانت هذه العملة تثقبها باستمرار.

ها هي بوّابة نيكانور (Nicanore) الجميلة، إنّها رائعة، كُتلة مشغولة بالبرونز وملبّسة بالفضّة. وها هو زكريّا إلى جانب أحد الكَهَنَة، جليل بثوبه الكتّاني. تتلقّف حنّة رشة الماء، أظنّها مياه التطهير، ثمّ تمتثّل للأمر بالتقدّم باتّجاه هيكل الذبائح.

لم تعد الطفلة بين يدي والدتها، لقد أخَذَتها اليصابات وبَقِيَت خارجاً بينما دَخَلَ يواكيم خلف زوجته جارّاً بشكل عكسي حَمَلاً بائساً يثغو. أمّا أنا… ففعلتُ كما في تطهير مريم: أغمضتُ عينيّ لكي لا أرى تلك المذبحة.

الآن تطهَّرَت حنّة.

هَمَسَ زكريّا بكلمات لصديقه الذي سَمِعَها وابتَسَم. ثمّ لحق هذا الأخير الجَّمع الذي انتظَم مُهنِّئاً الأب والأُمّ بفرحتهما وإيمانهما بالوعود، وتَقبُّل الحَمَل الثاني والطحين والفطائر.

«هذه الفتاة إذن مكرَّسة للربّ؟ بركته سترافقها وترافقكم كذلك. ها هي حنّة أخرى تَصِل، ستكون واحدة مِن معلماتها، إنها حنّة التي لفانوئيل (Phanuel) مِن سبط عازر. تعالي أيّتها المرأة، فهذه الطفلة تُقدَّم للهيكل وسوف تصبحين معلّمتها، وستنمو تحت حراستكِ في القداسة كقربان تسبيح.»

حنّة التي لفانويل، المتسربلة الأبيض بشكل كامل، تداعب الطفلة التي استيقظَت وهي تنظر بعينيها البريئتين والمندهشتين إلى كلّ هذا البياض، إلى كلّ هذا الذهب الذي يلمع تحت الشمس.

المفروض أنّ الاحتفال انتهى، ومع ذلك لم أرَ طقوساً خاصّة لتقدمة مريم. قد يكون البوح بذلك للكاهن وبالأخصّ لله قرب الموضع المقدّس كافياً.

تقول حنّة: «أودّ لو أُقرِّب التقادم للهيكل، وأَذهَب هناك حيث رأيتُ النور العام الماضي.»

يذهب الجميع برفقة حنّة التي لفانوئيل. إلّا أنّهم لم يَلِجوا داخل الهيكل، وهذا أمر مفروغ منه بوجود نساء وطفلة. لم يذهبوا إلى المكان الذي قَدَّمت فيه مريم ابنها. إنّما قرب الباب المفتوح على مصراعيه ينظرون إلى الداخل شبه المظلم، حيث تنطلق أصداء حناجر شابّات في تراتيل عذبة، وحيث تضيء أنوار نفيسة تنشر نوراً مُذهَّباً على رؤوس رَتلَين بأوشحة بيضاء: رَتلَي زنبق حقيقيّين.

«بعد سنوات ثلاث ستكونين هنا أيضاً يا زنبقتي.» هذا هو الوعد الذي نَطَقَت به حنّة وكان موجّهاً لمريم التي تنظر إلى الداخل كالمسحورة، مشدوهة ومبتسمة للتراتيل المنبعثة ببطء.

تقول حنّة التي لفانوئيل: «يبدو لي أنّها فَهِمَت، إنّها طفلة رائعة، ستكون عزيزة على قلبي كما لو أنّها ابنتي الحقيقيّة. أعدكِ بذلك أيّتها الأُمّ، إذا ما كُتِب لي عُمر.»

يجيب زكريا: «ستكونين هنا يا امرأة، وستستقبلينها بين الفتيات المكرَّسات. وسأكون أنا أيضاً هنا، أريد أن أكون هنا في ذلك اليوم لأطلب منها أن تصلّي مِن أجلنا منذ دخولها…» ثمّ ينظر إلى زوجته التي تُدرِك قوله وتتنهّد.

ينتهي الاحتفال، وتنسحب حنّة التي لفانوئيل، بينما يخرج الباقون مِن الهيكل يتحدّثون فيما بينهم.

أَسمَع يواكيم يقول: «كنتُ على استعداد ليس فقط لتقديم أفضل حَمَلين عندي، بل لأن أقدّمها كلّها لأجل هذه الفرحة، ولتسبيح الربّ.»

لم أعد أرى شيئاً.


يقول يسوع:

«يتكلّم سليمان بالحكمة: “إذا ما كان أحد صغيراً جدّاً، فليأتِ إليّ.” وفي الحقيقة مِن قلعته، مِن أسوار مدينته، كانت الحكمة الأزليّة تقول للطفل الأزليّ: “تعال إليّ” كان يتحرّق شوقاً للحصول عليه، فيما بعد، ابن الطفلة الكلّيّة الطهر يقول: “دعوا الأطفال يأتون إليّ فإنّ لهؤلاء ملكوت السماوات، ومَن لم يصبح شبيهاً بهم لا مكان له في ملكوتي”.

تتلاقى الأصوات، وبينما ينادي صوت السماء مريم الصغيرة: “تعالي إليّ”، صوت الإنسان يقول، ويفكّر بأُمّه بقوله: “تعالوا إليّ إذا ما عرفتم أن تكونوا كالأطفال”.

أعطيكم المثال في أُمّي.

هي ذي الطفلة الكاملة، ذات قلب الحمامة، البسيط والطاهر، تلك التي لم تُصِبها السنوات والاتّصال بالعالم ببربريّة فسادهم، بطرقهم الملتوية والكاذبة، فلقد لَفَظَت مريم هذا الاتصال. تعالوا إليّ وأنتم تنظرون إليها.

أنتَ يا مَن تَنظُر إليها، قُل لي: هل اختلفت نظرتها الطفوليّة عن التي رأيتَها فيها عند أقدام الصليب، أو في غبطة العنصرة، أو ساعة غَشَت جفونها عينيها، عيني الغزالة، في نومها الأخير؟ لا. هنا نظرة الطفل الحائر والمندَهِش، ثمّ نظرة الاندهاش والاحترام للبشارة، بعد ذلك النّظرة المغبوطة لأُمّ بيت لحم، ثمّ نظرة العبادة لتلميذتي الأولى السامية، ثمّ النظرة الممزِّقة لمعذَّبة الجلجلة، ثمّ النّظرة المشعّة في القيامة وفي العنصرة، وبعد ذلك النظرة المغشيّة للنومة المنتشية للرؤيا الأخيرة.

إنّما كذلك أن تُفتَح على الرؤيا الأولى حال انغلاقها مُنهَكَة على آخر شعاع نور، بعد رؤية الكثير مِن الأفراح والرعب، فالعين تصبح صافية، نقيّة، جزءاً ساكناً مِن السماء التي تسطع، مستوية دائماً، تحت جبهة مريم. فالغضب والكذب والدَّنَس والبغض والفضول لم يمسسها شيء منها بسُحُبها المدخِّنة.

هي العين التي تنظر إلى الله بحبّ، وسط البكاء أو الضحك (وسط الأحزان والأفراح)، والتي مِن أجل حبّ الله تُلاطِف وتُسامِح، وتحتمل كلّ شيء، وحبّ الله يجعلها منيعة ضدّ هجمات الشرّ، التي كثيراً ما استَخدَمت العين للولوج إلى القلب. العين النقيّة، الوديعة، المباركة التي يمتلكها الأطهار، القدّيسون، أولئك العاشقون لله.

لقد قلتُها: “العين سراج الجسد، ولكن لو كانت العين مريضة فجسدكَ كلّه يكون في الظلام.” القديسون كانت لهم هذه العين التي هي نور للروح وخلاص للجسد لأنّهم، مِثل مريم، طوال حياتهم لم ينظروا إلاّ إلى الله وأكثر أيضاً: تذكّروا الله.

سأشرح لكِ، أيّتها الصوت الصغير، معنى هذه الكلمة الأخيرة التي قلتُها لكِ.»


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.