7- العذراء مريم والأزمنة الأخيرة

1٬109

العذراء مريم والأزمنة الأخيرة

إبتدأ خلاصُ العالم بواسطة مريم، وبواسطتها أيضاً يجبُ أن يَكمُلَ. لم تظهر مريم في مجيءِ يسوع الأوّل، إلا قليلاً جداً، وذلك كيلا يبتعدَ الناسُ الذين كانوا عندئذٍ قليلي المعرفة والإيمان بشخص ابنِها الذي هو الحقيقة، فيتعلّقوا بها بقوةٍ وجاذبية، الأمر الذي كان يحدث واقعياً لو كانت معروفةً حينذاك، وذلك بسببِ جمالِها الرائعِ الذي زانَها به العلي، حتى أن ديونيسيوس الأريوباجي المزعوم كتب بأنه عندما رآها ظنَّها الله، لسحرها الخلاب وبهائها عديمِ النظير، لو لم يعلِّمه الإيمانُ خلافَ ذلك. بينما عند مجيءِ المسيح الثاني، يجب أن تعرفَ، وسيُظهرها الروحُ القدس، لكي يعرفَ بواسطتها يسوع، ويكون أكثرَ محبوباً ومخدوماً، إذ تكون قد زالتِ الأسباب التي حملتهُ ليُخفيَ الأُمَّ المباركة أثناءَ حياتِها الأرضية، وعندَ كرازةِ الإنجيل.

يُريدُ إذاً الله أن يُعَرَّفَ ويكشفَ مريمَ عملَ يديه الأروعَ والأعظم في الأزمنة الأخيرة لهذه الأسباب:

أ: لأنها أخفَتْ ذاتَها في هذا العالم وجعَلتْ نفسَها بتواضعِها العميق، أحقرَ من التراب، وحصَلَتْ من الله ورسلِه وإنجيلييه أنْ تبقى مستترة.

ب: لأنها أعظمُ ما صدرَ من يدِ الله بالنعمة على الأرض، وبالمجدِ في السماء، لذا يريدُ الله أنْ يمجدَها، ويمدحَها الأحياءُ على الأرض.

ج: لأنها السَحَر الذي يسبقُ ويكشِفُ شمسَ العدل، يسوعَ المسيح. فيجب إذن أنْ نعرفَها لنصِلَ إليه بواسطتِها.

د: لأنَّها الواسطةُ الأكيدةُ والنهجُ المستقيمُ والمحبولُ بها بلا دنس، للذهاب إلى يسوع، حتى نجدَه بنوع أكمل. إذن على النفوس الموغلةِ في القداسة أن تجدَه بواسطتها، لأنَّ من يجدْ مريم، يجدِ الحياة (أمثال 8: 35)، أعني يسوعَ المسيح الذي هو «الطريق والحق والحياة» (يوحنا 14). لكننا لا نجد مريم بدون التفتيش عنها، ولا نفتشُ عنها إذ لا نعرفُها، إذ لا نفتش ولا نشتهي أمراً إلا بعدَ معرفته، لذا يجبُ معرفة مريم أكثر من أي زمانٍ آخر، لمجدِ الثالوث المعبود.

هـ: يجبُ أن تسطَعَ مريمُ رأفةً وقوةً ونعمةً في الآونة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى، أولاً بالرأفة، لتُرجِعَ الخطأة وتقبلَ بعطفِ المساكين التائبين العائدين إلى الكنيسة. ثانياً، بالقوة، ضد أعداءِ الله، ذوي القلوب القاسية، الذين يثورون هولاً ليقروا بالوعد والوعيد، ويُسقطوا جميع اللذين يخالفونهم.

وأخيراً يجب أن تسطعَ مريمُ بالنعمة لتشجعَ وتسندَ الجنودَ الأبطال خدامَ يسوع المسيح الأمناءَ الذين سيحاربون من أجل مصالحه.

و: ستكون مريمُ مرعبةً للشيطان وزبائنه، كجيشٍ منظمٍ للقتال، لا سيما في الأزمنة الأخيرة، لأنَّ الشيطان إذ يعلمُ أنَّ وقتَه قصيرٌ للغاية، سيُضاعِفُ جهودَه ومحارباتِهِ كلَّ يومٍ لإهلاكِ النفوس، وهكذا سيشِنُّ اضطهاداتٍ قاسيةً وينصبُ مكائدَ مخيفةً لخدامِ مريمَ الأمناء وأبنائها الحقيقيين الذين تصعبُ عليه غلبتهم أكثرَ من الآخرين.

عن هذه الاضطهاداتِ الرهيبة والأخيرة الشيطانية التي تزداد كلَّ يومٍ حتى مجيءِ الدجّال، يجبُ فهمُ خاصة هذه النبوة الأولى الشهيرة التي لعنَ الله فيها الحية في الفردوس الأرضي، إذ قال: «أجعل عداوةً بينك وبين المرأة، بين نسلِك ونسلِها، فهي تسحقُ رأسَك وأنت ترصدين عَقِبَها» (تكو 3: 15).

إنّهُ لَمن المفيدِ شرحُ هذه النبوة ههنا لمدح العذراءِ ولخلاص أبنائها ولخزي الشيطان.

لم يعملِ الله إلَّا عداوةً واحدةً لا مصالحةَ فيها تدوم وتنمو حتى النهاية، عقَدَها بين مريم أُمَّه المباركة والشيطان، بين أبناء مريم وأبناء وزبائن لوسيفورس، فصار العدوُ الألدُّ الذي وضعه الله للشيطان، هو مريم أُمه القديسة، وضعها الله منذ الفردوس الأرضي رغم أنها لم تكنْ بعد موجودةً آنذاك إلَّا في فكره تعالى. وجعل كراهيةً كبيرة ضد هذا العدو اللعين، الحيةِ القديمة، وأعطى مريمَ قوةً جبارة لغلب وصرعِ وسحقِ رأس هذا الماردِ المتكبِر، فصار يخشاها لا فقط أكثر من الملائكة، ولكن نوعاً ما حتى من الله ذاتِه، ليس لأنَّ سُخطَ الله وكراهيتَه وقدرتَه لا تفوق بنوع لا متناهي تلك التي لمريم، ولكن لأن كمالاتِها هي محدودة، والشيطان متكبر للغاية، لذا يتعذبُ جداً ويذوبُ خجلاً عندما تغلبه أَمةُ الله الصغيرة والمتواضعة، فيُسخطه كثيراً تواضعُها، ويخاف صلواتِها أكثر من صلاة جميع القديسين، أو تهديداً منها، يعتبرهُ عذاباً فادِحاً جداً.

إنَّ ما خسره لوسيفورس بكبريائه، اكتسبَته مريم بتواضعها. وما فقدَته حواء بعصيانها ربحته مريم بطاعتها. فحواء بإصغائها للحية أهلكت نفسَها وكلَّ أبنائِها، ومريم بأمانتها الكاملة لله، خلصت ذاتَها وكلَّ أولادِها مكرسةً إيَّاهم لجلاله.

ولم تقتصرِ العداوةُ التي وضعَها الله بينَ مريم والشيطان عليهما فقط بل أرادها أيضاً بين ذُريَتَيهما. فجعل نفوراً لا يُطاق بين أبناء العذراء وبين الشيطان وعبيدِه. فلا عَلاقَةٌ ممكنة تربِطُهم، ولا انسجامٌ باطني مطلقاً بينهم، إنَّ أبناء بلعال أي عبيدَ الشيطان ومحبي العالم، اضطهدوا دوماً كلَّ الذين انتموا إلى مريم، كما اضطَّهَد سابقاَ قائين وعيسو رمزا المرذولين، أخويهما هابيل ويعقوب رمزَي المنتخبين. إنَّ مريمَ المتواضعةَ ستنتصر دائماً انتصاراً عجيباً على هذا المتكبر وتسحقُ رأسه مصدرَ كبريائِه، وستكشِفُ خبثَه الأفعواني وخداعاتِه الجهنمية وإغراءاته الشيطانية، وتنجي أبناءها الأُمناء من عبوديته القاسية إلى منتهى الدهور.

تسطعُ قوةُ مريم على الشياطين كلِّهم خاصةً في الأزمة الأخيرة، عندما سينصبُ إبليس شراكَه أمام عقبها، أي أبنائها المتواضعين الذين تقيمهم لمحاربته. ولو أنَّهم يُبانون صغاراً وفقراء حسب العالم، ومحتقرين منه كالعقب، ويُداسون ويُضطهدون، كما هي حالة العقب نظراً إلى بقية أعضاءِ الجسم، لكنهم مع ذلك أغنياء بنِعَم الله التي تُوزعُها عليهم بغزارة مريم، وسيكونون عظماء ومتعالين في القداسة أمام الله، ومتفوقين على كلِ الخليقة بغيرتِهم الوقّادة، ومحفوظين بقوةِ العونِ الإلهي؛ إنَّهم رغم تواضُعِهم وبسبب اتحادِهم مع مريم سيسحقون رأسَ الشيطان ويجعلون يسوع المسيح منتصراً فيهم.


كتاب الإكرام الحقيقي للعذراء مريم
 ✞  السابق     ✞  البداية     ✞  التالي 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.