29- السفر إلى بيت لحم | قصيدة الإنسان – الإله

682
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

29- السفر إلى بيت لحم

05 / 06 / 1944

أرى طريقاً عريضاً، هناك جمع غفير. حمير ذاهبة مُحمَّلَة أمتعة وأُناساً. وحمير عائدة. والناس الـمُمتَطية تَهمِز مطاياها، ومَن يسير منهم على أقدامه يحثّ الخطى لأنّ الطقس بارد.

الهواء نقيّ وجاف، السماء صافية، إلاّ أنّ كلّ شيء يبدو بالمظهر الدقيق ليوم شتويّ حقيقيّ. القرية العارية تبدو أَوسَع. عُشب المراعي قصير وقد أحرَقَته رياح الشتاء. وفي تلك المراعي تبحث القطعان عن القليل مِن الغِذاء، وتَطلب الشمس التي تُولَد ببطء. يلتصق خرفانها الواحد بالآخر لأنّها هي أيضاً تشعر بالبرد. تثغو رافعة أفواهها ناظرة إلى الشمس كأنّها تقول لها: «بسرعة، بسرعة، كم الطقس بارد!».

وتَظهَر على الأرض تموّجات تبدو أكثر فأكثر وضوحاً. إنّه منظر هضبة حقيقيّ. هناك منخَفَضات عشبيّة ومنحدرات بوديان صغيرة وقِمم. والطريق تمرّ في الوسط وتتّجه إلى الجنوب الشرقيّ.

مريم على حمارها الرماديّ متدثّرة بمعطفها السميك. وفي مقدّمة السرج، كما كان الأمر يوم السفر إلى الخليل، الصندوق المحتوي على الحاجات الأكثر ضرورة. ويوسف إلى جانبها يسير ممسكاً باللجام سائلاً إيّاها بين الفينة والأخرى «هل أنتِ متعَبَة؟»

فتنظر إليه مريم مبتسمة وتقول: «لا». وفي المرة الثالثة تُضيف: «أنتَ بالأحرى الذي تمشي على قدميكَ، قد تكون تَعِبتَ.»

«آه! أنا، بالنسبة لي هذا لا يهمّ. ولكنّني أفكّر، لو أنّني وجدتُ حماراً آخر لكان مِن الممكن أن تكوني مرتاحة أكثر وكنّا استطعنا الذهاب بشكل أسرع. ولكنّني لم أَجِد. كلّ الناس بحاجة للمطايا في هذا الوقت. إنّما تشجعي! فقريباً سنصل إلى بيت لحم. فوراء هذا الجبل توجد إفراتا.»

يَظلّان صامِتَين. والعذراء، عندما لا تعود تتكلّم، يبدو أنّها تختلي في صلاة داخليّة. تبتسم بلطف لفِكرة تُراوِدها، وعندما تتطلّع إلى الجموع يبدو أنّها لا تُميّز بين رجل وامرأة، عجوز أو راعٍ، غنيّ أو فقير، إنّما هي ترى ما في ذاتها فقط.

يسألها يوسف: «هل تشعرين بالبرد؟» ذلك لأنّ الريح تهبّ.

«لا، شكراً.»

إلّا أن يوسف لا يقتَنِع فيجسّ رِجليها اللتين تتدلّيان على كشح الحمار، رِجليها اللتين تنتعلان صندلاً وهما لا تكادان تتجاوزان ثوبها الطويل. ربما وَجَدَهما باردَتَين، فهو يهزّ رأسه، ويأخذ غطاء (حرام) كان يحمله وَرباً على كتفيه، ويغطّي به ساقي مريم حتّى صدرها بشكل تبقَى فيه يداها في الدفء تماماً تحت الغطاء والمعطف.

يَلتقيان بِرَاعٍ يقطع الطريق مع قطيعه الذي يَنقله مِن مرعى على اليمين إلى آخر على اليسار. فينحني يوسف ليَهمس في أذنه بشيء ما. يُجيبه الراعي بإشارة تدلّ على الموافقة. فيأخذ يوسف الحمار ويقوده خلف القطيع إلى المرعى حيث يأخذ الراعي مِن خُرْجه وعاء كبيراً ويَحلب نعجة كبيرة ضِرعاها مليئان، ويُعطي الوعاء ليوسف الذي يقدّمه إلى مريم.

فتقول مريم: «ليبارككما الله، أنتما الإثنين، أنتَ لمحبّتكَ، وأنتَ لطيبتكَ وكرمكَ. سوف أصلّي مِن أجلكَ.»

«أتأتيان مِن بعيد؟»

يُجيب يوسف: «مِن الناصرة».

«وإلى أين وجهَتكُما؟»

«إلى بيت لحم».

«إنّه لَسَفر طويل بالنسبة إلى امرأة في هذه الحال. أهي زوجتكَ؟»

«نعم إنّها زوجتي».

«أيوجد مَن تَحِلّان عنده؟»

«لا».

«الأمر يَبعَث على القلق، فبيت لحم مكتظّة بأناس أتوا مِن كلّ صوب للاكتتاب أو للذهاب إلى أمكنة أخرى لنفس الـمَسعى. لستُ أدري إذا كنتما سَتَجدان مأوى. هل تَعرِفان المكان؟»

«ليس كثيراً.»

«إذاً!… سأُعَلِّمكَ… مِن أجلها (ويَقصد مريم) اقصدا النَّزل. سيكون ممتلئاً. ولكنّني أحدّده لكما ليكون بمثابة نقطة علّامة. إنّه في الساحة الكُبرى. تذهبان إليها مِن الطريق الرئيسيّة. لا يمكن أن تُخطِئا. هناك نبع ماء قرب النَّزل الكبير والمنخَفِض ذي البوّابة الكبيرة. سيكون مكتظّاً. وإذا لم تَجِدا مكاناً في النَّزل وفي البيوت، فامضيا خلف النَّزل باتّجاه القرية. هناك إسطبلات في الجبل يستخدمها الباعة المتوجّهون إلى أورشليم ليَضَعوا فيها حيواناتهم عندما لا يَجِدون مكاناً في النَّزل. إنّها إسطبلات في الجبل، تُدرِكان ذلك: إنّها رطبة، باردة، وبدون أبواب، ولكنّها تبقى ملجأ، لأنّ المرأة… لا تستطيع البقاء في الطريق. قد تَجِدا هناك مكاناً فيه قَشّ لتناما، وكذلك مكاناً للحمار. وليرافقكما الله.»

تُجيب مريم: «ليهبكَ الله الفرح». ويقول يوسف بدوره: «ولترافقكَ السلامة».

ويُعاوِدان سلوك طريقهما. ويَظهَر منخَفَض أكبر مِن المنحَدَر الشديد الذي اجتازاه. والمنخَفَض محاط مِن الأعلى ومِن الأسفل بمنحدرات، وهناك بيوت وأيضاً بيوت، إنّها بيت لحم.

«ها نحن على أرض داود يا مريم. الآن ستستريحين. إنّكِ تبدين لي مُرهَقة جداً…»

«لا. كنتُ أفكّر… أفكّر…» وتُمسِك مريم بيد يوسف وتقول له بابتسامة مُشرِقة: «أعتقد حقيقة أنّ الأوان قد حان.»

«يا إله الرحمة! كيف سنتصرّف؟»

«لا تخف يا يوسف. لا تستسلم للانفعال. انظُر كم أنا هادئة!»

«ولكن… هل تتألّمين كثيراً؟»

«آه! لا. فأنا ممتلئة فَرَحاً. إنّه لَفَرح عظيم وجميل لا يُقاوَم، لدرجة أنّ قلبي يخفق بشدّة، بشدّة ويقول لي: “إنّه يُولَد! يُولَد!” يقولها مع كلّ خَفقة. إنّه صغيري الذي يَدقّ على باب قلبي ويقول لي: “ماما ها أنا ذا لأعطيكِ قبلة الله”. يا له مِن فَرَح يا يوسف!»

ولكنّ يوسف ليس فَرِحاً. إنّه يُفكّر بضرورة إيجاد ملجأ ويَحثّ الخُطى. يَطرق الباب تلو الباب، يسألهم المأوى. لا فائدة فالكلّ مشغول. يَصِلان إلى النَّزل. إنّه مُكتظّ، حتّى تحت الأروقة الريفيّة التي تحيط بباحة الدار الكبيرة، بأناس يُخيِّمون.

يَترك يوسف مريم على الحمار داخل الدار، ويَخرج يُفتّش في البيوت الأخرى. ثمّ يعود خائباً. لا يوجد مكان. وغَسَق الشتاء المبكّر بدأ يَنشر شِراعه. يتوسّل يوسف إلى صاحب النَّزل، يتوسّل إلى مُسافِرِين. إنّهم رجال بكامل صحّتهم وهي امرأة على وشك الولادة. ليكن لديهم رحمة. لا شيء.

يَنظُر إليه أحد الفرّيسيّين الأغنياء باحتقار سَافِر، وعندما تدنو مريم يبتعد عنها كما لو كانت مصابة بالبرص. فيَنظر إليه يوسف وقد احمرّ وجهه مِن الغيظ، فتضع مريم يدها على قبضة يوسف لتهدئته وتقول: «لا تلحّ، فلنذهب. الله سوف يتدبّر الأمر.»

يَخرُجان ويسيران بمحاذاة جدار النَّزل. يَسلكان درباً مُتراكِبة فيما بينها وبين بيوت فقيرة. يَدوران حول النَّزل. يبحثان حتّى يَجِدا أحد الكهوف، إنّها بالأحرى أقبية أكثر منها إسطبلات لكثرة انخفاضها ورطوبتها. وما كان مقبولاً منها قد شُغِل. يوسف مُنهَك.

يَهتف عجوز مِن الخلف: «أو هيه! أيّها الجليلي! هناك في أقصى المكان تحت تلك الأطلال، يوجد كوخ قد لا يكون وَصَلَ إليه أحد.»

يَدنوان مِن ذاك الكوخ. إنّه في الحقيقة جُحر. فوسط أنقاض منزل متهدِّم، هناك ملجأ، توجَد وراءه مغارة، هي حفرة في الجبل أكثر منها مغارة، يمكن القول بأنّها أساسات لبناء قديم كان مسقوفاً بأشياء مدعومة بجذوع شجر غليظة بعض الشيء.

لكي يَرَى بشكل أوضح، حيث إنّ النور فيها خافِت، يُخرِج يوسف بعض الصوفان (مادة تَخرُج مِن قلب الشجر، رخوة، تَقدَح فيها النار) وقدّاحة، ويُشعِل مصباحاً صغيراً يُخرِجه مِن الخُرْج الذي كان يتمنطق به، ويَدخُل. يستقبله خُوَار بالتحية. «تعالي يا مريم، إنّها فارغة إلّا مِن ثور.» ويبتسم يوسف «أفضل مِن لا شيء!»

ترتَجِل مريم وتَدخُل.

يُثَبِّت يوسف المصباح على مسمار في أحد الجذوع المستخدَمة كدعامة. أمّا القُبّة فقد كانت مغطّاة بخيوط العنكبوت، والأرض مِن التراب الـمُداس ومُصدّعة بثقوب وحصى وفضلات وغائط ومفروشة بسوق التبن. وفي الداخل ثور يتلفّت ويَنظُر بعينيه الكبيرتين والهادئتين، بينما يتدلّى العلف مِن فمه. هناك مقعد كبير وحَجَران كبيران في زاوية قرب صَدع يشير السواد الذي يغطّي هذه الزاوية إلى أنّها مكان إشعال النار.

تَدنو مريم مِن الثور، وقد كانت تشعر بالبرد، فتضع يديها على عنقه لتَشعُر بالدفء. يَخور الثور ويستسلم. يبدو أنّه قد أدرَكَ، حتّى عندما أزاحه يوسف إلى مكان أبعَد ليأخذ مِن القش كميّة أكبر إلى المعلَف فيَجعَل منه سريراً لمريم. والمعلَف مضاعَف: المكان الذي يأكل منه الثور، وآخر أعلى، وهو بمثابة رفّ توجد عليه المؤونة مِن العَلَف.. هذا ما أخذه يوسف وقد تَرَكَه الثور يَفعل.

كما هيّأ مكاناً آخر للحمار التَّعِب والجائع، والذي باشَرَ فوراً بالأكل. ثمّ يَكتَشِف يوسف دلواً مقلوباً وكثير البعج، ويَخرُج إلى حيث يمرّ في الخارج نهر، ليعود بالماء للحمار. ثمّ يَستَحوِذ على حُزمة مُشَكَّلَة مِن الأغصان موضوعة في إحدى الزوايا ويُحاول كَنس الأرض. يَفرش بعدها القشّ ويَصنَع منه سريراً جانب الثور، في الزاوية الأكثر جفافاً والأكثر حماية. ولكنّه يَجِد القشّ رطباً فيتنهّد ويُشعِل النار، وبصبر الراهب، يَأخذ يُجفّف القشّ قبضة إثر قبضة، بإمساكه إيّاه قريباً مِن النار.

تَجلس مريم على مقعد مُتعَبة، تَنظُر وتبتسم. ها قد انتهى. تَجلس مريم براحة على القشّ الطريّ مُسنِدة كتفيها على جذع. ويُكمِل يوسف… الأثاث، وذلك بمدّ معطفه الذي يقوم مقام الخيمة، على الفتحة المستخدَمة كمَدخل. إنّه مأوى نسبيّ جدّاً. بعدها يُقدّم خبزاً وجبناً للعذراء ويعطيها الماء مِن قُربَة معه لتشرب.

بعد ذلك يقول لها: «نامي الآن وسأسهر أنا لكي لا تنطفئ النار. يوجد حطب لحسن الحظ. نأمل أن يدوم اشتعالها. وسأدَّخر الزيت للمصباح.»

تطيع مريم وتتمدّد، ويغطّيها يوسف بمعطفها ذاته والحرام الذي كان يغطّي قدميها.

«ولكن، أنتَ… ستشعر بالبرد.»

«لا يا مريم، سأبقى قرب النار. حاولي أن تستريحي. وغداً ستسير الأمور بشكل أفضل.»

تُغمِض مريم عينيها دون أن تَظهَر بأنّها تصلّي. ويوسف ينزوي في ركنه على مقعد مع دقاق الحطب إلى جانبه، لا يوجد منها إلّا القليل. لا أعتقد أنّها ستدوم طويلاً.

كانت المواقع على الشكل التالي: مريم إلى اليمين، وكتفاها صوب الباب، وهي نصف مخبّأة بجذع شجرة وبجسم الثور الذي أقعى (أي جَلَسَ القُرفصاء، وتقال للحيوان فقط) في المهاد؛ ويوسف إلى اليسار يتّجه صوب الباب، وبالتالي فهو بالوَرب، ووجهه صوب النار وكتفاه نحو مريم. وهو يَدور بين الفينة والفينة ليَنظُر إليها ويراها مُستَكينة كما لو كانت نائمة. كان يَستَخدِم الأغصان قليلاً، قليلاً، ويرميها واحدة فواحدة في النار لكي لا تنطفئ، ولتُضيء، ولكي يدوم هذا القليل مِن الحطب. لم يبق سوى ضوء النار، وهو طوراً حيويّاً وطوراً يخبو، إذ إنّ زيت المصباح يكاد يَنفذ، وفي شبه العتمة هذه يمكن التفريق فقط بين بياض الثور ووجه ويدي يوسف. أمّا الباقي فلم يكن سوى كتلة تندَمِج في كتلة الظلّ.

تقول مـريم: «لن يُقال لكم المزيد، فالرؤيا تتحدّث عن نفسها. ولكم أن تستَخلِصوا منها عِبَر المحبّة والتواضع والطهارة التي تَنجم عنها. استريحي، استريحي وأنتِ تَسهَرين كما سهرتُ أنا في انتظار يسوع. سوف يأتي حاملاً لكِ السلام.»


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة
أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.