40- التحضير لبلوغ يسوع سن الرشد والانطلاق من الناصرة | قصيدة الإنسان – الإله

341
كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا | الإنجيل كما كُشف لي

الجزء الأول
{الحياة الخفية}

40- التحضير لبلوغ يسوع سن الرشد
والانطلاق من الناصرة

25 / 11 / 1944

لقد حصلتُ منـه على وعد. كنتُ أقول له: «كم يسـعدني أن أرى الاحتفال ببلوغكَ سنّ الرّشد!» وهو يقول: «سوف أُريكِ ذلك حين نتمكّن مِن أن نكون “فيما بيننا” دون أن يُشَوَّش السرّ. سوف تُصنِّفين هذه الرؤيا بعد رؤيا أُمّي، معلّمتي المدرسيّة ومعلّمة يوضاس ويعقوب التي أريتُكِ إيّاها سابقاً. سوف ترتّبينها بين هذا المشهد ومشهد المناقشة في الهيكل.»

19 / 12 / 1944

أرى مريم منحنية فوق وعاء أو بالأحرى “جاط” مِن الفخّار. إنّها تَمزج شيئاً يُخَلِّف دخاناً في الهواء البارد والساكن والذي يملأ حديقة الناصرة.

المفروض أنّ الوقت شتاء. إذ ما عدا شجرات الزيتون، فقد كانت جميع الأشجار عارية، هياكل عظميّة حقيقيّة. وفي الأجواء سماء صافية جدّاً، حتّى الشمس حلوة، إنّما هي لا تُلطّف ريح الشتاء التي تهزّ الأغصان العارية وتجعلها تتخبّط فيما بينها، كما تجعل أوراق الزيتون الخضراء الرماديّة تتماوج.

ترتدي السيّدة العذراء ثوباً كستنائيّاً يميل إلى السّواد، وقد عَلَّقَت في الجهة الأماميّة قماشاً سميكاً على شكل مِئزَر يحمي الثياب. تُخرِج مِن الإجّانة (وعاء خشبيّ لغسيل الثياب) العصا التي كانت تُحرِّك بها الـمُحتَوى، وأرى نقطة بلون أحمر جميل تَسقُط. تُلاحِظ مريم ذلك، فتبلّل إصبعها بالنقاط التي تَسقُط وتُجرّب اللون على الـمِئزَر. إنّها تبدو راضية.

أثناء عملها تَدخُل مريم زوجة حلفا، قادمة مِن مَشغَل يوسف، فتتصافحان وتتحادثان.

تسأل زوجة حلفا: «هل نجح؟»

«آمُل ذلك.»

«لقد تأكَّدَ لي أنّ هذا اللون هو نفسه الصباغ المستعمل في روما. لقد أُعطِيَ لي لأنّكِ أنتِ التي تقومين بهذه الأشغال. ويقال إنّ في روما ذاتها لا يوجد مَن يُوشي مثلكِ. يُفتَرَض أنّك تُمَقمِقين عينيكِ وأنتِ تقومين بذلك العمل…»

تبتسم مريم وتقوم بحركة برأسها وكأنّها تقول: «هذا لا شيء على الإطلاق!»

تَنظُر زوجة حلفا قبل أن تُقَدِّم إلى مريم شلل الصوف الأخيرة. يا لغزلكِ لها! تبدو وكأنّها شَعر لشدّة دقّتها وانتظامها. إنّكِ تعملين كلّ شيء بدرجة الكمال… وبسرعة فائقة! هل ستكون هذه الأخيرة أفتَح؟»

«نعم، فهي للثوب. أمّا المعطف فداكن أكثر.»

تعمل المرأتان في الوعاء، ثمّ تُخرِجان الشلل التي أصبَحَت بلون الأرجوان الجميل، وتُسرِعان لتغطيسها في حوض ماء بارد جدّاً تحت نبع صغير يسيل ماؤه مُحدِثاً صوت ضحكات بسيط، تغسلان، تغسلان ثمّ تُمدّدان الشلل على قصبات عُلِّقَت بين غصني شجرة.

تقول زوجة حلفا: «سوف تجفّ جيّداً وبسرعة في هذا الهواء.»

فتقول القدّيسة مريم: «هلمّي بنا نمضي إلى يوسف، فالنار مشتعلة هناك، وأنتِ قد تكونين بَردتِ. لقد كنتِ طيّبة جدّاً بمساعدتكِ إيّايَ. لقد أنهيتِ العمل بسرعة وبأقلّ تعب؟ أشكركِ.»

«آه! مريم، لم أفعل شيئاً! كَوني إلى جانبكِ، فهذا عيد. ثمّ… كلّ هذا الشغل مِن أجل يسوع. وهو عزيز عليَّ جدّاً، ابنكِ!… يبدو لي أنّني أنا أيضاً أُمّه، إذا ما ساعدتكِ مِن أجل احتفاله ببلوغ سنّ الرّشد.»

تَدخُل الـمَرأتان إلى الـمَشغَل العابق برائحة الخشب المسحوج الخاصة بمشاغل النجّارين.

تتوقّف الرؤيا قليلاً… تعود أثناء انطلاق يسوع ابن الاثنتي عشرة سنة إلى أورشليم.

يبدو جميلاً جدّاً وقد نما جيّداً، حتّى لتحسبه الأخ الأصغر لأُمّه الشابّة. لقد وَصَلَ إلى كتفها، وشعره الأشقر المجعّد لم يعد قصيراً كما في سِنيّ حياته الأولى، ولكنّه يتدلّى إلى ما تحت أذنيه، فتحسبه خوذة مِن الذهب منقوشة بكاملها بتقصيباته الـمُشرِقة.

كان يرتدي الأحمر. لون الياقوت الأحمر الزاهي الجميل. ثوباً طويلاً يَصِل إلى الكاحلين، ولا يَكشف سوى عن قدمين تنتعلان صندلاً. الثوب يجعل الحركة حرّة بأكمامه الطويلة والعريضة. وعند العنق وأطراف الأكمام والأرداف كانت هناك تزيينات منسوجة، لوناً على لون، جميلة جدّاً…


20 / 12 / 1944

أرى يسوع يَدخُل مع أُمّه إلى غرفة -ماذا أسمّيها؟- غرفة الطعام في الناصرة.

يسوع وَلَد جميل، ابن اثنتي عشرة سنة، كبير، متين جدّاً، قويّ دون بدانة.

إنّه يَبدو أكبر مِن عمره الحقيقيّ بسبب بُنيته. وهو الآن كبير لدرجة أنّه أصبَحَ على مستوى كتفي أُمّه. إنّه ما زال يحتفظ بوجهه المدوّر الورديّ كما كان أيّام طفولته، في شبابه ثم في سنّ الرجولة، سينحف وجهه أكثر فأكثر ويصبح بلا لون شاحباً بعض الشيء، وبالكاد مصبوغاً بالأصفر الورديّ.

عيناه، عيناه كذلك ما تزالان كعيني طفولته. عينان كبيرتان مفتوحتان جيداً مع وميض فرح ممزوج بنظرة جادّة. لن يعودا فيما بعد مفتوحتين كما هما الآن… سيُغلقهما الجفنان نصف إغلاق ليَحجبا فساد العالم العظيم عن الطُّهر والقداسة. ولـن تعودا كذلك إلاّ أثناء اجتراح المعجزات، فتُفتَحان وتُضيئان حتّى أكثر مِن الآن… لطرد الشياطين والموت، لشفاء مرضى الجسد والروح.

ومع ذلك لن تعودا بهذا الوميض مِن الفرح الممزوج بالنّظرة الجادّة… فالموت والخطيئة كانا قريبين جدّاً منه ومعهما اليقين الـمُعاش بعدم جدوى تضحيته بسبب المقاومة الإراديّة مِن البشر. لم يكن كذلك سوى في بعض مِن أوقات الفرح النادرة بسبب وجوده مع نفوس مُخَلَّصَة تحيط به، خاصّة مع كائنات نقيّة، بشكل خاصّ الأطفال، حيث تجعل تلك الإحاطة نَظَرَه المقدّس المليء بالطيبة والصلاح يُشرِق فرحاً.

لكنّه الآن مع أُمّه في بيته، قُبالة القدّيس يوسف الذي يبتسم بحبّ، وكذلك ابني عمه اللذين يَنظران إليه بإعجاب، ومريم زوجة عمه حلفا التي تُداعِبه… إنّه سعيد. ذلك أنّ يسوعي في حاجة إلى الحبّ ليكون سعيداً. وها هو الآن يمتلك هذا الحبّ.

إنّه يرتدي ثوباً ناعماً مِن الصوف الأحمر الأرجوانيّ الفاتح، أملس ليّناً منسوجاً بكامله مِن قماش ناعم الملمس، مكتظّ عند العنق ومِن الأمام، وعند أطراف الأكمام الطويلة والفضفاضة مِن الثوب الطويل إلى الأرض وَشي (نقش)، ليس على شكل حاشية إضافيّة، بل إنّما منسوج بلون داكن على الثوب الأحمر الزاهي الذي لا يَظهَر منه سوى القدمين اللتين تنتعلان صندلاً جديداً مُتقَن الصّنع، فهو لم يعد ذلك النّعل العاديّ بشريطيه المتصالِبَين.

يُفتَرَض أن يكون الثوب مِن صنع أُمّه، لأنّ زوجة حلفا تَنظُر إليه بإعجاب وتمدحه. لقد أصبَحَ شعره الأشقر الجميل داكناً أكثر ممّا كان عليه عندما كان يسوع فتى صغيراً، مع انعكاسات نحاسيّة في التلافيف التي تُحدِثها تقصيباته وهو يتدلّى إلى ما تحت أذنيه. لم يعد شعر الطفولة المجعّد والقصير والخفيف. ولم يُصبِح بعد شعر البالغ الـمُتماوِج المتدلّي إلى كتفيه حيث ينتهي بلفائف ناعمة، إلاّ أنّه يميل إلى ذاك اللون وذاك الشكل.

تقول مريم: «هو ذا ابننا». وفي الوقت ذاته تَرفَع يُمناها الـمُمسِكة بيسرى يسوع. تبدو وكأنّها تُقَدِّمه للجميع وتؤكّد أبوّة ذلك البارّ الذي يبتسم. وتضيف: «بارِكه يا يوسف قبل الانطلاق إلى أورشليم، لم تكن البركة الشعائريّة ضروريّة عند ذهابه إلى المدرسة، أوّل خطوة في الحياة. بينما الآن، وهو يذهب إلى الهيكل ليُعلَن على الملأ بلوغه السنّ، فباركه وباركني معه. ذلك أنّ بركتكَ… (ويختنق صوت مريم بنشيج) تمنحه القوّة وتمنحني الشجاعة للانفصال عنه عمّا قريب…»

«سوف يكون يسوع لكِ على الدوام، يا مريم. فالشكليّات لن تُبدّل شيئاً مِن علاقاتنا، ولن أزاحمكِ على ابننا العزيز جدّاً على قلبينا. فما مِن إنسان يستحقّ أن يقوده في الحياة أكثر منكِ، يا قدّيستي.»

تنحني مريم وتأخذ يد يوسف وتقبّلها. إنّها عروسته. وكم هي عطوفة ومحترِمة لشريك حياتها!

يتقبّل يوسف بوقار بادرة الاحترام والحبّ هذه، ولكنّه بعدئذ يرفع اليد التي قَبَّلَتها ويضعها على رأس عروسته قائلاً لها: «نعم، أبارككِ، كوني مبارَكَة ويسوع معكِ. تعاليا يا فرحيَّ الوحيدين، يا شرفي وهدف حياتي.» يبدو يوسف بمظهر احتفاليّ. وحين يمدّ ذراعيه، وكفّاه باتّجاه الأرض، على الرأسَين المنحنيَين، الأشقرَين المتشابهَين والقدّيسَين، يَنطق بكلمات البركة: «ليحفظكما الربّ ويبارككما. وليرأف بكما ويمنحكما السلام. وليمنحكما الربّ بركته.» ثمّ يقول: «لقد آن الأوان. لنمضِ. إنّه الوقت المناسب للسفر.»

تأخذ مريم غطاء كبيراً بلون أحمر رمّانيّ داكن، وتغطّي به جسد ابنها. كم هي تُداعِبه أثناء قيامها بذلك!

يَخرُج الجميع، ويُغلِقون الأبواب، ويَسيرون. هنالك مسافرون آخرون يتوجّهون إلى المكان ذاته. خارج البلدة، تنفصل النساء عن الرجال. بينما يذهب الأولاد مع مَن يرغبون، ويسوع يبقى مع والدته.

يسير المسافرون، وهم في أغلب الأحيان يُرَتِّلون المزامير عبر القرى الجميلة جدّاً، في أحلى يوم مِن أيّام الربيع. رطوبة الحقول والقمح، والاخضرار حيث بدأَت الزهور تتفتّح. تراتيل الرجال عبر الحقول وعلى الطرقات. تغريد العصافير التي تتحابّ بين الأوراق. السواقي الصافية حيث تَنظر زهور الأنهار إلى نفسها في مرآتها. حِملان تقفز إلى جانب أُمّهاتها… سلام وبهجة تحت أجمل سماء في نيسان (أبريل).

هكذا تنتهي الرؤيا.


كتاب قصيدة الإنسان – الإله
ماريا فالتورتا
 →  السابق       البداية       التالي  ← 
مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.