التأمّل في لوحة العشاء الأخير لدافنشي

19٬033

لوحة العشاء الأخير لدافنشي

هذه اللوحة رسمها ليوناردو دافينتشي في ميلانو على جدار غرفة الطعام بدير السيدة مريم (يظهر الباب في الأسفل)، وهي تمثّل العشاء الأخير الذي تناوله المسيح مع تلاميذه الاثني عشر. وقد ازدادت شهرة هذه اللوحة على شهرتها بسبب رواية «هيكل الرؤيا» (1997) التي تقول إنّ التلميذ إلى جانب المسيح هو امرأة اسمها مريم المجدليّة، فتبنّى دانبراون هذه النظريّة وبنى عليها روايته شيفرة دافنتشي (2003).

بدأ دافنتشي رسم اللوحة في السنة 1495، واستعمل فيها المنظور بطريقةٍ رائعة تظهر للمشاهد جميع التفاصيل، حتّى الأشياء التي على المائدة. أبعادها حوالى 9 أمتار طولاً و4 أمتار ونصف عرضًا. تقول الرواية أنّ رئيس الدير، حين رأى دافنتشي يتباطأ في العمل، غضب وكتب له كلامًا قاسيًا، فأجابه ليوناردو: إنّه يكدّ في البحث عن وجهٍ يناسب يهوذا الخائن. فإن لم يجد وجهًا يناسب ما في ذهنه، سيرسم وجه رئيس الدير نفسه.

أظهرت الترميمات أنّ ليوناردو كتب أسماء التلاميذ بالقرب من رؤوسهم، وتؤكّد ذلك المسوّدات الورقيّة التي رسم عليها ليوناردو اسكتش اللوحة. وهذا يسقط كلّ التأويلات التي قيلت عن هذه اللوحة. المشهد يصوّر لحظة. إنّها لحظة إعلان يسوع عن خيانة أحد التلاميذ له، فظهرت لدى الاثني عشر ردود فعلٍ مختلفة، وهذا سبب الحركة والديناميكيّة في الشخصيّات المرسومة، وهذا أيضًا سبب غياب الكأس عن المائدة، كما عهدنا أن نراه في اللوحات التي تصوّر هذا الحدث.

من اليسار إلى اليمين: يشكّل برتلماوس ويعقوب بن حلفا وأندراوس مجموعة، تبدو أنّها تفاجأت بالنبأ. ويبدو أندراوس يرفع يديه معلنًا أنّه ليس هو، في حين يعقوب بن حلفا يده ليربّت على كتف الذي بجانب أندراوس ليسأله.

يهوذا الإسخريوطيّ وبطرس ويوحنّا هم المجموعة التالية. يحمل يهوذا كيس دراهم، ربّما ثمن خيانته أو لأنّه كان أمينًا للصندوق، ويبدو عليه خائفًا إذا انكشفت خطّته. تحت يمينه مملحة مقلوبة، ويساره تشرف على التقاط الخبز، إشارة إلى أنّه خان الخبز والملح. هو الوحيد الذي يسند مرفقه إلى الطاولة، ورأسه أخفض أفقيًّا من الجميع. أمّا بطرس، فينظر غاضبًا، ويمسك سكّينًا باتجاه معاكس للمسيح، إشارة إلى ما فعله في بستان الزيتون، حين قطع أذن أحد المهاجمين للقبض على يسوع. إنّه يوشوش يوحنّا: «سله مَن هو؟». ويوحنّا يميل برأسه ليسمع ما يقوله له بطرس.

على يسار المسيح توما ويعقوب الكبير وفيليبُّس. توما مضطرب، يرفع سبّابته مشكّكًا بصحّة الخبر. يعقوب يمدّ ذراعه ليهدّئ توما وكأنّه يقول: «اصبر، دعنا نفهم ما الأمر»، في يشير فيليبُّس بيده إلى ذاته: «ألعلّي أنا يا رب؟».

متّى ويهوذا بن حلفا (تدّاوس) وسمعان الغيور يشكّلون مجموعة أقصى اليمين. متّى وتدّاوس يلتفتان إلى سمعان لعلّهما يجدان لديه جوابًا عن تساؤلاتهما.

يعطي المسيح دليلاً لمعرفة الخائن: الذي يتناول لقمة الخبز معي. يشير إلى ذلك بيده اليسرى، ويوجّه يمينه إلى نفس قطعة الخبز التي سيتناولها يهوذا. أمّا وجهه، فيبدو عليه الحزن وكأنّه سيبكي تأثّرًا بهذه الخيانة.

صمّم ليوناردو اللوحة على مبدأ الثلاثيّة، إشارة إلى الإيمان المسيحيّ بالثالوث: مجموعات الرسل ثلاثيّة، النوافذ في الخلف ثلاثة، وجسم المسيح مع ذراعيه يشبه المثلث، ثلاثة أبواب جانبيّة تفضي إلى الصالة…

(الأب سامي حلّاق اليسوعيّ)

مواضيع ذات صلة

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.