18- في طبيعة الإكرام الحقيقي للعذراء مريم أو في التكريس التام ليسوع المسيح

0
164

بما أنَّ كلَّ كمالِنا يتوقف على أن نكونَ شبيهين ومتّحدين ومكرَّسين ليسوع المسيح، فالعبادةُ الأمثل من جميع العبادات، هي بلا ريب، تلك التي تجعلُنا شبيهين ومتّحدين ومكرّسين بنوعٍ اكمل له. والحالُ مريم هي الأكثرُ شَبَهاً بيسوع المسيح من كلِ الخلائق. إذن ينتج بأنه ما بين جميعِ العباداتِ، تلك التي تُكرس وتجعل النفس شبيهة أكثر من غيرها، بسيدنا الإلهي، هي تكريم العذراء مريم، وكل ما كانت النفس أكثرَ تكريساً لها، كلما ستكون أيضاً أكثر ليسوع المسيح.

لذا فإن التكريسَ التام ليسوعَ المسيح، ما هو إلا تكريس النفس الكلي والكامل، لمريم المباركة وهذه هي الممارسة التي أدعو اليها، وان اردت فهي تجديدٌ حقيقي لمقاصدِ أو مواعيدِ العماد.

في تكريس النفس التام والكامل لمريم العذراء

تقومُ هذه الممارسةُ على بذلِ الإنسان ذاته بجملتها لمريم، ليكونَ بواسطتِها كلياً ليسوع. لذا يجب أن نهدي لها: 1) جسدنا مع كل حواسه واعضائه، 2) نفسَنا بكل قواها، 3) خيراتِنا الخارجية المسمّاة الأموال، من حاضرة ومستقبلة، 4) خيراتِنا الباطنية والروحية التي هي استحقاقاتِنا وفضائلَنا واعمالَنا الصالحةَ الماضية والراهنة والمقبلة. بكلمةٍ، كلَّ ما هو لنا في النظام الطبيعي والروحي، وكل ما سنحوز عليه في المستقبل، على الأرض وفي السماء، دون تحفظٍ، ولا استثناء، إلى آخر فلس، وحتّى أقلِ عملٍ صالح، وذلك إلى الأبد، دون أن ندَّعيَ ولا نرجو ثواباً آخر، عدا شرفِ الانتماء الى يسوع المسيح بواسطتها وفيها، رغم أنَّ هذه السيدةُ هي دوماً أسخى الخلائقِ وأكثرُها عرفاناً للجميل.

ولا بُدَّ هنا من الملاحظة بأنَّ أعمالَنا الصالحة تحمل صِفَتين هما: التعويضَ والاستحقاق، أو قيمة التعويض والطلب وثوابَ الاستحقاق، فالأول هو عبارةَ عن كل عملٍ صالح يكفّر أو يعوّض عن القصاص الواجب للخطيئة، أو يحصل على نعمة جديدة، بينما الثاني هو العملُ الصالح الذي هو أهلٌ للحصول على النعمة والمجدِ الأبدي. فعند تكريس نفسنا لمريم، نَهَبُها ثوابَنا التكفيري والاستمدادي والاستحقاقي، أو بكلمة أخرى، نقدّم لها: استحقاقاتِنا ونعمنا وفضائلنا، ليس لتوزعَها على الآخرين، الأمر الذي هو غيرُ ممكن، لأنَّ فقط يسوع المسيح الذي كان كفيلُنا لدى الآب، استطاعَ اشراكنا باستحقاقاته، بل لتحفظَها لنا وتنميَها وتجعلَها أكثرَ بهاءً، فنقدّمُ لها مع ذلك تعويضاتِنا أو تكفيراتِنا لتمنحَها لمن تريد لمجد الله الأعظم.

ينتُجُ من هذا بأنَّ هذه الممارسةَ تُعطي ليسوع المسيح، كلَّ شيءٍ، وبأكمل نوع ممكن، أكثر من أي اكرام آخر، لا سيما إذ تمنحُه بيدي مريم، لا فقط قسماً من الوقت أو جزءاً من الأعمال الصالحة، أو شيئاً من الاستحقاقات والإماتات، ولكن كلَّ شيء، حتى حق الاهتمام بالخيرات الباطنية والاستحقاقات التي يكتسبُها المرءُ يوماً بعد آخر، والتعويضات، الأمرُ الذي لا يتم في أية رهبنةٍ كانت، لأنَّ هذه تُقدمُ لله بنذور الفقر والعفة والطاعة، الأموالَ وملذاتِ الجسد والإرادة الخاصة لا غير.

هكذا فإنَّ الشخص المكرس ذاته بهذا الشكل والمضحي بها ليسوع المسيح، بواسطة مريم، لا يحق له بعد أن يهتمَّ بشيءٍ، لأنَّ كلَّ ما له صار لمريم التي تُدبره حَسَبَ إرادةِ ابنها ولمجده الأعظم، دون أن يعيقَ ذلك بالطبع واجبات الحال التي هو فيها الآن، أو التي سيكون فيها في المستقبل، مثلاً الكاهن الذي يجب عليه أن يخصصَ نياتِ القداديس لأشخاص معيّنين. إذن يتم التكريس للعذراء الطوباوية وليسوع المسيح معاً، فللعذراء كواسطة كاملةٍ اختارها يسوع لنتحد مع بعضنا، وله كغايتنا الأخيرة بما أنه مخلصُنا والهُنا، ولنا منه كل ما نحن عليه.

اترك تعليق

ضع تعليقك
ضع أسمك هنا