20- في الأسباب التي تدعونا إلى هذا التكريم

0
205

1- إن هذا التكريم يعهدُنا بجملتنا الى خدمة الله، ولا نستطيعُ تصور وظيفة أرضية أسمى من هذه الخدمة. إن خادم الله هو أغنى وأقدر وأنبل من كل ملوك الأرض واباطرتها، اذا لم يكونوا من خدامه تعالى، ومن كل الثروات والسلطة والمقام. إن العبد الأمين والمحب ليسوع بواسطة مريم، الذي لم يدَّخر لذاته شيئاً، يفوق كل ذهب الارض وجمال السماوات.

إن الرهبنات والجمعيات والأخويات المؤسسة لإكرام ربنا وأمه القديسة، والتي تعمل خيراً كبيراً في المسيحية، لا تهب كل شيء، دون قيد، لأنها لا تفرض على أعضائها إلا بعض ممارسات وأعمال لتكميل واجباتهم، تاركة إياهم احراراً في بقية اعمالهم وأوقات حياتهم. بينما هذا الاكرام، يطلب ممن يمارسه أن يقدم ليسوع ولمريم كل أفكاره وأفعاله وآلامه، وأوقات حياته، فسواء كان ساهراً أم نائماً، سواء أكل أم شرب، سواء مارس أكبر الاعمال أم احقرها، فإنه يفعل ذلك، ولو أنه لا يفكر به، يفعله ليسوع ومريم، بفضل تقدمته، إلا اللَّهم اذا ما تراجع عنها صريحاً.

لذا لا يوجد إكرامٌ آخر افضل منه، حتى لو تسربت بعض النقائص في أعماله، ويسوع الذي وعد بأن يعطي مئة ضعف لمن يترك من أجله بعض الخيور الخارجية (متى 29:19) ماذا ستكون مكافأته لمن ضحى له حتى بخيراته الباطنية والروحية؟

قد منحنا يسوع، صديقنا العظيم، كل شيء له من جسد ونفس وفضائل ونعم واستحقاقات وبتقديمه ذاته لنا بجملتها، قد اكتسبنا، يقول القديس برنردس، فهل ليس من العدل ومعرفة الجميل ان نبادره نحن أيضاً بدورنا، ونعطي له كل ما لنا وقد سبقنا في العطاء سنختبر في حياتنا وبعد مماتنا، ومدى الابدية كلها كم هو كريم نحونا.

إن هذا التكريم يجعلنا ان نقتدي بمثال يسوع والله ذاته، ونمارس به التواضع. لم يستنكف هذا المعلم الصالح من أن يغلق عليه في أحشاء العذراء القديسة كأسير وعبدِ حبّ، وأن يكون خاضعاً لها وطائعاً مدة ثلاثين سنة. بالحقيقة، يتيهُ العقلُ البشري عند تأمله العميق، موقف الكلمة المتجسد الذي رغم قدرته، لم يُرد أن يتقدم الى الناس مباشرة، بل بواسطة العذراء الطوباوية، فلم يرد ان يدخل العالم بعمر رجل كامل، وبنوع مستقل عن الآخرين، بل جاء كطفل مسكين وصغير، متعلق باهتمام وتدبير أمه القديسة.

2- إن هذه الحكمة اللامتناهية، التي كان لها الشوق العظيم في تمجيد الله وخلاص البشر، لم يجد قط وسيلة أكمل وأقصر من خضوعه في كل شيء للأم العذراء، لا فقط مدة سنوات عديدة من حياته، كبقية الأطفال والأولاد، ولكن لمدى ثلاثين سنة، وقد أعطى بذلك مجداً أكبر لله الآب، مما لو كانت تُستعملُ في اجتراح العجائب او الوعظ لاهتداء البشر، ولو كان هذا الفرض غير صحيح، كما فعل. فهل نحن أكثر حكمةً وفهماً من الحكمة الالهية؟ هل من حاجة ان نذكّرَ بما قلتُه بخصوص الثالوث المجيد السامي، الذي يعلمنا الخضوع للعذراء مريم؟ إن الآب لم يعطِ ولن يعطي ابنه إلا بواسطتها، ولا يصير البشر أبناء الله الا بها، ولا يفيض نعمه عليهم الا بواسطتها. وكذلك الله الابن، لم يُعطَ لجميع الناس الا بها، ولا يكون ويولد كل يوم الا بها وباتحادها مع الروح القدوس، فلا يُشرك استحقاقاته وفضائله الا بواسطتها، والروح القدس لم يكوّن يسوع المسيح الا بواسطتها، ولا يكوّن اعضاء جسده السري الا بها. فبعد هذه الامثلة المُلحّة من قبل الثالوث الأقدس، هل بوسعنا دون أن نُرمى بأقصى العمى الروحي، أن نستغني عن مريم وأن لا نكرس ذواتنا لها ونخضع لها حتى نذهب الى الله، نضحي بذاتنا لأجله تعالى.

ويقول القديس بونافنتورا بعد اوريجين: «لمريم ابنان، الواحد انسان اله، والآخر انسان محض، فهي ام الأول جسدياً، والثاني روحياً». اما القديس برنردوس فإنه يكتب: «هذه هي إرادة الله، على أن نحصل على كل شيء بواسطة مريم. فاذا ما لنا المواهب الخلاصية والنعمة والرجاء، فلنعلم أنها كلها تسيلُ من يديها». أو أيضاً: «كنتم غير أهلين لقبول النعم الالهية، لذا أعطيت لمريم، كيما كلما تحصلون عليه يكون بواسطتها». ويقول القديس برنردينوس السياني بدوره: «تُوزَّع جميع المواهب والفضائل ونعم الروح القدس بيدي مريم، لمن تريد وعندما تريد وكيفما تريد».

«لما رأى الله، يواصل برنردس، بأننا غير أهلٍ لقبول نعمة مباشرة، منحها لمريم، لنحصل عليها بواسطتها، ويجدُ مجده في الحصول بواسطة مريم، مع عرفاننا بالجميل واحترامنا والمحبة التي يجب تأديتها له على انعامه. إذن من العدل ان نقتدي بهذا المثل الالهي، اي نعيد الشكران الى المصدر بنفس القناة التي جاءتنا النعمة».

هذا ما نعمله بهذا الاكرام، أي أننا نقدم ونكرس ذاتنا وكل ما نملك للعذراء الطوباوية، كيما يقبل الرب بشفاعتها، المجد ومعرفة الجميل الواجبة له من قبلنا. إننا نستعرف ذاتنا بأننا غير أهلٍ وغير قادرين للدنو من جلاله اللامتناهي. لذا نلتجئ الى شفاعة العذراء القديسة.

علاوة على ذلك، فان هذا الاكرام، يفترض تواضعاً عميقاً، الفضيلة التي يحبها الله فوق كل الفضائل، لأن النفس التي ترتفع «تُنزل الله، والتي تتواضع، تَرفع الله». إن الله، يقول الرسول يعقوب (6:4) «يقاوم المتكبرين ويمنح نعمه للمتواضعين».

إذا ما تحتقرُ ذاتك وتعتبر نفسك غير أهل للظهور امامه والاقتراب منه، عندئذ هو سينزلُ اليك، وتطيب له الاقامة، ليرفعك نحوه رغماً عنك، ويصير عكس ذلك تماماً، عندما يدنو المرء منه بجسارة وبلا شفيع، فحينئذ يهربُ منه ولا يقوى على البلوغ اليه.

إن الله يُحبُّ حقاً تواضعَ القلب، وهذا الاكرام يحث على ذلك، لأنه يعلمنا ان لا نقترب منه أبداً بذاتنا، مهما كان الرب وديعاً ورحيماً، بل أن نستخدم دوماً شفاعة العذراء القديسة، سواء كان للظهور امامه أم التكلم معه، أو الدنو منه، أو لتقديم شيء له، وتكريس الذات والاتحاد معه.

3- إن هذا الاكرام يمنحنا عطف مريم وحبها.

إن العذراء الطوباوية هي أم الطيبِ والرحمة، فلا تدع أن تغلبَها في الحب والعطاء، عندما ترى أحداً يقدمُ ذاته بجملتها لها، لإكرامها وخدمتها، بتجرده عن كل ما هو غالٍ ليزينها، عندئذ هي أيضاً تُعطي له ذاتها كلياً وبنوع لا يوصف، فتجعله يغرقُ في هُوَّة نِعَمِها، وتُجملُه باستحقاقاتها، وتسنده بقدرتها، وتنيره بضيائها، وتحرقه بمحبتها، وتُشركه بفضائلها من تواضع وايمانٍ وطهارة وغيرها، فتصبح له كفيلةً وممولةً وعزيزته نحو يسوع.

وبما ان الشخص المكرس ذاته هو لمريم بجملته، فكذلك مريم هي له بكاملها، بنوع أنه يمكن القول عن هذا الخادم الكامل وابن مريم، ما قاله الانجيلي يوحنا عن ذاته، أنه اخذها الى خاصته (يوحنا 27:19)، أي سينجمُ له من هذا، إذا ما هو أمين، وعديم الثقة بذاته، واحتقرها وكرهها، ومن الجهة الأخرى، ستكون له ثقةٌ كبيرة واعتماد عظيم على العذراء القديسة سيدته الصالحة. فلا يستندُ بعد، كالسابق على استعداداته ونياته واستحقاقاته وفضائله واعماله الصالحة. اذ ضحَّى بها ليسوع على يد مريم، ولم يبقَ له بعد الا كنزٌ واحد فقط، فيه وضع كل خيراته، خارجاً عنه وهو مريم.

هذا ما يجعله أن يدنو من الرب دون خوف ولا وسواس، وأن يصلي اليه بثقة كبيرة، متخذاً شعائر العلامة التقي روبيرت، الذي بتلميحه عن غلبة يعقوب للملاك (تكو 24:32)، يخاطب العذراء الكلية القداسة بهذه العبارة الجميلة: «يا مريم، أميرتي، وأم الله الانسان، يسوع المسيح، المحبول بها بلا دنس، أود أن أحارب مع هذا الانسان، أعني الكلمة الالهي، مسلَّحاً ليس باستحقاقاتي الخاصة، ولكن باستحقاقاتك».

حقاً إن المرءَ لقديرٌ وقويٌ لدى يسوع المسيح عندما هو مسلح باستحقاقات وشفاعة كذا أم لائقةٍ بالله، التي كما يقول عنها القديس اوغسطينوس «غلبت بحبها الكلي القدرة».

تُطِّهر مريمُ اعمالنا الصالحة وتزيّنُها وتجعلُها مقبولةً لدى ابنِها.

تطهرها من كل تلوث المحبة الذاتية والتعلق بالخليقة، هذا التعلق الذي يندسُّ بنوع غير محسوس في خير أعمالنا. فحالما تصير ما بين يديها الطاهرتين، اللتين لم تتدنس ولم تبق عاطلة، تنقي كل ما تلمسه، وتنزع من هديتنا المقدمة لها كل ما فيها من دنس وعدم كمال.

إنها تُجمّلها بتزيينها باستحقاقاتها وفضائلها. كمثلِ فلاحٍ يَودُّ كسبَ صداقةِ وعطفِ الملك، فيذهب لدى الملكة ويقدمُ لها تفاحةً هي كلُّ ما يملك، لتُهديَها للملك. إنَّ الملكة بقبولها الهديةَ الحقيرةَ والتافهة، تضع التفاحةَ وسطَ صحنٍ كبيرٍ جميلٍ ذهبيّ وتُقدّمها هكذا للملك باسم الفلاح. إنَّ التفاحةَ بذاتها لا قيمة لها لتقدَّم للملك، لكنها تصبحُ هديةً لائقة بجلاله نظراً الى الصحن الذهبي الموضوعة فيه، والى خاصة، شخصِ الملكةِ التي تقدمها.

إنها تقدم هذه الاعمالَ الصالحةَ ليسوع المسيح، لأنها لا تحتفظ بشيء لنفسها مما يهدى لها، بل تعيد كل شيء بأمانة الى يسوع. فاذا ما يُعطى لها، معناه يُعطى ضرورةً ليسوع، واذا ما تُمدح وتُمجَّد، فحالاً تَمدح وتُمجد يسوع. الآن كما في السابق، عندما القديسة اليصابات، مدحتها، رتَّلت: «تُعظم نفسي الرب» (لوقا 46:1).

عندما يقدمُ شخصٌ هديةً ليسوع معتمداً على لباقته واستعداده الخاص، يفحصها يسوع، ومراراً بسبب فسادها الناجم عن محبة الذات، كما رفض في الماضي ذبائح اليهود التي كانت مملوءة من إرادتهم الشخصية، ولكن عندما يُقدَّم له شيء بيدي امه الحبيبة، فإنه لا يقدر رفض شيء لها، لأنه لا ينظر الى الهدية ذاتها، ولا الى ممن هي، لكن فقط الى من يُقرّبها، لذا لا يرفض أمه مريم ابداً، بل العكس، يقبلها بكل طيبة خاطر، مهما كانت الهدية حقيرة بذاتها، او صغيرة، يكفيها انها مقدمة من أمه المحبوبة. هذه كانت مشورة القديس بيرنارد الكبيرة التي كان يوصي بها اولئك الذين يقودهم نحو الكمال، قائلا: «عندما تريد تقديم شيء لله، اهتم أن تفعل بذلك بواسطة مريم المباركة، الا اذا ما اردت ان ترفض، ان الطبيعة ذاتها توصي الصغار عمل ذلك لدى معاطاتهم مع الكبار، كما أن النعمة ايضاً تحملنا على استعمال نفس الصيغة مع الله صاحب السمو اللامتناهي، لا سيما ولنا محامية كذا قديرة ولبقة، لا تَردُ قط، تعرف كل الاسرار لاجتذاب قلب الله، ولا ترفض بدورها احداً مهما كان صغيراً وفقيراً.

4- بهذا الاكرام نعطي لله مجدا اعظم

اذا ما يُمارس هذا التكريم بأمانة، يصبح واسطة سامية تُعطي لكل اعمالنا الصالحة قيمة للحصول على مجدٍ أعظم لله. لا احد تقريباً يقوم بأعماله لأجل هذه الغاية النبيلة، رغم اننا ملتزمون بذلك. والسبب هو لأننا سواء لا نعلم أين هو مجد الله الأعظم وسواء لأننا لا نريد ذلك. اما العذراء الطوباوية التي اودعنا اليها قيمة واستحقاق كل اعمالنا الصالحة، فإنها تعلم علماً كاملاً اين هو مجد الله الاعظم، ولا تفعل شيئاً الا لتحقيقه. لذا فعبدها الحقيقي يمكنه القول بجسارة بان قيمة كل اعماله واقواله هي مستعملة لمجد الله الاعظم، الا اللهم اذا ما تراجع عن قراره بنوع صريح. فهل من تعزية اعظم للإنسان المحب لله محبة حقيقة، المهتم بمجد الله ومصالحه أكثر مما لنفسه؟

5- إنَّ هذا التكريم يؤدي الى الاتحاد مع الرب، بنوع أسهل، لأنه طريقٌ قصيرٌ وكاملٌ وآمن.

أ: فهو طريقٌ سهلٌ سلكه يسوع المسيح في مجيئه الينا، ولا صعوبة للعودة به. لا ريب أنه يمكن الاتحاد مع الله بطرق أخرى، إلا أنها ستكون أصعب بتحمل صلبان أكبر، وميتاتٍ روحية وصعوباتٍ جمة لا نقوى عليها الا بصعوبة. اذ علينا ان نجتاز بليال مظلمة وممارساتٍ روحية غريبة وتسلق جبال عالية وتحمل اشواك مرهفة والسير في صحارى مخيفة. بينما بطريق مريم يمكن الاجتيازُ بحلاوة لذيذة وأمانٍ أعظم. لا شك أنه ستكون هناك صراعاتٌ قوية وأزماتٌ حادة يجب السيطرة عليها، فستكون هذه الأم الرؤوم بجانب خدامها الأمناء لتنير ظلماتهم وتشجعهم في مخاوفهم وتشددهم في صراعهم، بنوع ان الطريق المريمي يوصلنا الى يسوع كأننا نسير بين الورد ملتذين بالعسل، عكس الطرق الاخرى. وقد اختبرَت نخبةٌ صغيرة من القديسين ذلك من امثال إفرام ويوحنا الدمشقي وبرنارد وبرنردوس وبونافنتورا وفرنسيس سالس وغيرهم، إذ ان الروح القدس أنار عقولهم لمعرفة ذلك، عكس غالبية القديسين الذي بلغوا الى يسوع في طرقٍ خطرةٍ وسط صعوباتٍ مخيفة.

قد يستغربُ كون بعض خدام مريم الأُمناء، يلاقون صلباناً كثيرة، ومضادات واضطهادات وافتراءات، ويسيرون وسط ظلمات روحية باطنية بلا عزاء. فأقول إن الصلبان هي هدايا السماء فلا عجب ان يحصلوا عليها. ولكن هنا أيضا أود القول بأن خدام مريم يتحملون هذه الصلبان بسهولة أكثر وباستحقاق ومجد. وما يوقف ألف مرة آخرين، او يجعلهم يسقطون، لا يوقفهم بتاتاً، لا بل يجعلهم يتقدمون، وذلك لأن هذه الأم الصالحة، الممتلئة نعمة وحلاوة الروح القدس، تقطَعُ هذه الصلبان وتضعُها في سكر طيبها الوالدي، فيبتلعونها بفرح كأنَّها جوزٌ في السكر، رغم مرارتِها الطبيعية.

أظن أن العابد الذي يود العيش بتقوى نحو يسوع والذي بالنتيجة يتحمل الاضطهاد دوماً، لن يحمل صلبانه الكثيرة والكبيرة بفرح، ما لم يكن ذا إكرام فائق للأم العذراء التي تُحلّيها، كما لا يستطيع أحدٌ دون قسرٍ أكل الجوز الأخضر المر، ما لم يكن مغموساً في السكر.

ب: إنه طريق قصير.

سواء لأنه لا يتيهُ، وسواءٌ لأنه يمشي فيه بفرح، فلا يشعر بتعب، فيسيرُ بسرعة اكثر. من يكرمُ العذراء مريم، يتقدم روحياً في وقت قصير، أكثر من الشخص المعتمد على ذاته وإرادته في سنوات كاملة. إن الطائع لمريم والخاضع لها، يرتلُ الانتصارات على أعدائه، الذين سيحاولون مضايقته في سيره ليسقط او يتقهقرَ، إلا أنه سيخطو كجبارٍ نحو يسوع المسيح، في نفس الطريق التي سلكها هو في وقتٍ قصير. هل تفكر لماذا عاش يسوع على الارض قليلاً وقضى تلك الفترة تقريباً كلها في الخضوع والطاعة لأمه؟ إنه في أمدٍ قصير، عاش طويلاً، وأكثر من آدم الذي جاء ليكفّر عن خسارته والذي رغم عمره الطويل الذي عاشه، فإن يسوع بخضوعه واتحاده مع أمه القديسة، عاش أكثر منه. يقولُ الروح القدس: من يحترمُ أُمَّه يشبهُ رجلاً يَكنِزُ له كنوزاً، فمن يُكرّمُ مريم أمه بخضوعه لها، وطاعتِه لها في كل شيء، سيصبحُ غنياً، كمن يَكنِزُ له كنوزاً (سيراخ 5:3).

إن حُضنَ مريم ولَدَ وعانَق الانسانَ الكامل الذي لم يستطع الكون فهمه ولا احتواءه ففي هذا الحضن، يصبح الشباب شيوخاً ويشعّون نوراً وقداسة وخبرة وحكمةً فيصلون في فترةٍ وجيزة الى عمر يسوع المسيح الكامل.

ج: إنه طريق كامل

لأن مريم المباركة هي أكمل وأطهر الخلائق، ولأن يسوع في سفره العجيب والكبير نحونا، جاءنا بواسطتها في هذا الطريق. إن المتسامي الذي لا يمكن فهمه ولا البلوغ اليه، ذاك الذي هو، أحب المجيء الينا، نحن دودة الأرض الصغيرة والحقيرة. إن العلي نزل الينا كاملاً والهياً، بواسطة الصغيرة، دون فقدان شيء من عظمته، وعلينا أيضاً بواسطة مريم أن ندعها تحتوينا وتقودنا، بنوع كامل وبلا تحفُّظ. إن الذي لا يمكن فهمُه، اقترب واتحد مكيناً وبنوع كامل وشخصياً بناسوتنا، بواسطة مريم دون أن يخسر شيئاً من جلاله. وبواسطة مريم أيضاً، علينا ان نقترب من الله ونتحد بجلاله كاملاً ومكيناً دون خوف من أن نُرفض. وأخيراً ذاك الذي هو، أحب المجيء نحو من ليس شيئاً، ليجعله إلهاً او من هو، وفعلَ ذلك بنوع كامل، بإعطاءِ ذاته وخضوعه كلياً لمريم العذراء الشابة، دون ان يتخلى في الزمن، عن من هو منذ الأزل. وبنفس الترتيب نحنُ الذين لسنا شيئاً، نقدر بواسطة مريم، ان نصبح شبيهين بالله، بالنعمة والمجد، بإعطاء ذواتنا لها، بنوع كاملٍ وبجملتنا، دون خوف الغلط، رغم أننا لسنا شيئاً في ذاتنا، ولكن نحنُ كلُّ شيء فيها.

إذا ما يُعملُ طريقٌ جديدٌ للذهاب الى يسوع المسيح، معبّدٌ بكل استحقاقات الطوباويين، ومزينٌ بكل فضائلهم البطولية، ومنورٌ بكل انوارِ وسحرِ الملائكة، مع كل الملائكة والقديسين، ليقودوا ويدافعوا ويثبتوا السائرين فيه، فإنني اتجاسر وأقول الحق، بأنني أُفضلُ على هذا، طريق مريم المحبول بها بلا دنس، الطريق الكامل والنظيف والخالي من كل خطيئة، وبدون اي ظلٍ وظلمات. وعندما يجيء يسوعي المحبوب في مجدِه، الى الأرض، للمرة الثانية، ليملك عليها، فإنه لن يختار في سفره طريقاً آخرا، عدا طريق مريم المباركة، التي جاء بواسطتها في المرة الأولى، بنوع أكيد وكامل. إن الفرق بين المجيئين هو أنه في الأول كان سرياً وخفياً، وفي الثاني سيكون مجيداً وعجيباً، وكلاهما كاملان، لأنهما تمتا بواسطة مريم. إنهُ لسرٌ لا يُفهم للأسف، وليصمُت هنا كلُّ لسان.

د: إنه طريق أمين

أ: إن الممارسة التي أعملها ليست جديدة. يقولُ اللاهوتي بودون الذي كتب عنها كتاباً، لا يعلم بالضبط متى ابتدأت. مع ذلك فإن آثارها موجودة في الكنيسة، منذ أكثر من سبعماية سنة. وكان القديس اوديلون، رئيس دير كلوني، الذي عاش حول سنة 1040، من الأوائل الذين مارسوها في فرنسا، كما هو مدون في سيرة حياته.

ويَذكرُ الكاردينال بطرس داميانوس (ملفان الكنيسة) عن أخيه الطوباوي مارينوس، بأنه في عام 1016 خصَّص ذاته عبداً للعذراء المباركة بحضور مرشده. كما يذكر قيصر بولانوس عن فارس اسمُه فوتييه بيرباك، من أنسباء دوق لوفان أنه نحو سنة 1300 كرس نفسه ايضاً للعذراء القديسة. فمارس هذا الاكرام كثيرون بنوع خاص، حتى أصبح معروفاً في القرن السابع عشر.

نَشرَ بنوع شعبي، الأب سيمون روباس واعظُ الملك فيليب الثالث، هذه الممارسة في كل إسبانيا والمانيا، وحصل بإلحاح فيليب الثالث، من البابا غريغوريوس الخامس عشر، غفرانات عديدة لمن يمارسها. واجتهد الاب لوس ريوس، مع صديقه الحميم الاب روباس، في نشر هذه الممارسة بكتاباته وأقواله في اسبانيا والمانيا، وألف كتاباً ضخماً، بعنوان «السلسلة المريمية» تكلم فيه عن معرفة عن قدم وسمو ورسوخ في هذه الممارسة بأسلوب تقوي.

ووطَّد الرهبان الثياتيون، هذه الممارسة في الجيل الماضي، في ايطاليا وصقليا وسافويا، كما نشر بنوع فريد، الاب ستانيسلاوس فلاسيوس اليسوعي هذه الممارسة في بولنده. ويذكُر الابُ لوس ريوس في المؤلف المذكور، أسماء الامراء والاميرات والدوقات والكرادلة الذين مارسوا هذا التكريم من مختلف الممالك.

ومَدَحها الابُ كورنيليوس الحجري، المعروفُ بتقواه وعلمِه الزاخر، المُفوّض من قبل الاساقفه واللاهوتيين، بفحص هذه الممارسة، فأصدر بشأنها مدحاً لائقاً بتقواه. وقدّم الآباء اليسوعيون الغيورون دائماً على خدمة العذراء الكلية القداسة، باسم اخويات مدينة كولون، بحثاً صغيراً عن هذه الممارسة، الى فيرديناند دوق بافاريا، ليسأل رئيس أساقفة كولون، بطبعه، وتحريض الكهنة والرهبان في الأبرشية، لنشر هذه الممارسة الراسخة قدر طاقتهم.

وكان الكاردينال دي بيرول (ذكره للبركة في كل فرنسا) بين أكبر الغيورين على نشر هذه الممارسة في بلده، رغم كل الافتراءات والاضطهادات التي شنها ضده المنتقدون واللادينيون، متهمين اياه بأمور جديدة وشعوذة، ونشروا ضده كتاباً محشواً إفتراءاتٍ مستخدمين، أو بالأحرى، استخدم الشيطان بواسطتهم، ألف حيلةٍ لمنه من نشر هذه الممارسة في فرنسا. إلا أن هذا الرجل العظيم والقديس، لم يبال بذلك محتملاً اياها بصبرٍ جميلٍ، وردَّ على اعتراضاتهم الملفَّقة في كتابهم، بتأليفٍ صغير مُفنداً إدعاءتهم بقوة، مُبيّناً أنَّ هذه الممارسة هي مبنيةٌ على مثال يسوع وعلى الواجبات التي علينا نحوه، وعلى النذور التي ابرزناها في العماد، خاصةً بهذا البرهان الأخير سَدَّ افواهَ أخصامِه، وأظهر أنَّ هذا التكريسَ ما هو الا تجديدٌ كاملٌ لمواعيدِ ونذورِ المعمودية.

ويمكن مطالعة أسماء الباباوات العديدين الذين أيدوا هذا الاكرام (في كتاب السيد بودون) وكذلك أسماء لاهوتيين كثيرين فحصوه والاضطهادات التي لاقاها وانتصر عليها وأسماء آلاف الاشخاص الذين مارسوه، دون أن يحرمهم أي بابا، فلا يمكن أن يصير كل ذلك دون هدم المسيحية.

يثبتٌ بأن هذه الممارسة ليست جديدة أبداُ، وإن هي غير عامة، لكونها ثمينةً جداً فلا يتذوقها الجميع.

ب: إن هذا التكريم هو طريق أمين يبلغنا إلى يسوع المسيح والى الآب الأزلي بنوع أكيد. لا يظن الروحانيون غلطاً أن مريم تمنع وصولهم الى الاتحاد الالهي. فهل يعقل أن تلك التي وجدت النعمة أمام الله لكل العالم، تصبح مانعاً لنفس تتحد مع الله؟ هل يمكن للتي كانت ممتلئة نعمة وفائضة بها ومتحدة كلياً به حتى تجسد فيها، أن تعيق أحداً من الاتحاد به تماماً؟ إن رؤية بعض الخلائق حتى القديسة، قد يؤخرُ أحياناً، الاتحاد مع الله، ولكن ليس مريم، فإن أحد الأسباب الذي من أجله يبلغ أناس قليلون الى ملء قامة المسيح، هو لأن مريم التي هي أم الابن ومقرُ الروح، هي غير كاملة في قلوبهم. من يود اقتناء ثمر ناضج جيد ولذيذ، عليه ان يغرس الشجرة التي تنبته. ومن يرغب امتلاك ثمرة الحياة التي هي يسوع المسيح، عليه نصبُ مريم شجرة الحياة عنده، ومن يريد الحصول على فعالية الروح القدس، يجب أن تكون له مريم الامينة والمباركة التي تعطي لعمله الخصوبة الثمر.

اذاً كلما نظرتم الى مريم اكثر، سواء في صلواتكم او انخطافاتكم او اعمالكم او عذاباتكم، اذاً ليس بنظرة واضحة ومتميزة، فأقله بنظرة عامة وغير دقيقة، ستجدون بنوع اكمل يسوع الذي هو دوماً مع مريم، عظيم وقدير وغير قابل الادراك، واكثر حتى مما في السماء او في أية خليقة أخرى في الكون. وهكذا بالأحرى، فإن مريم التي تغيرت كلياً في الله لا تصبح عائقاً للكاملين من البلوغ الى الاتحاد معه، لأنه لم يصر قد حتى الآن، ولن تكون ابداً خليقة بوسعها مساعدتهم بأكثر فاعلية في هذا العمل العظيم، سواء بواسطة النعم التي تمنحُها لهم لهذه الغاية، لأنه لا يوجد أحدٌ مملوءٌ من فكرة الله الا بواسطتها كما يقول القديس جيرمانيوس، وسواء بصيانتها إياهم من خداعات وغش الروح اللعينة.

فحيث مريم، لا يمكن وجود روح خبيثة. ومن العلامات الأكيدة، لمعرفة اذا ما الروح الصالح هو الذي يدير المرء، هي إكرامه الكبير لمريم، وافتكاره فيها مراراً، والتكلم عنها، كما يقول القديس جيرمانوس، والذي يضيف، كما أن النفس هو علامة الحياة الاكيدة للإنسان، كذلك الافتكار المتواتر والدعاء الحبي الى مريم هو اشارة واضحة على حياة المرء روحياً.

وكما ان مريم وحدها، كما تقول الكنيسة والروح القدس مرشدها، أبادت كل الهرطقات مهما تذمر الناقدون، فإن من يكرم مريم حقيقياً وبأمانة، لن يسقط في الهرطقة، أو أقله في الخداع الصوري، قد يتيه مادياً، ويظن الكذب حقاً، والروح الخبيثة صالحة، ولكن يحدث هذا بصعوبة أكثر مما لدى غير المكرمين لها، وعندما سيعرف غلطه، عاجلاً أم آجلاً فإنه لن يعاند البتة، أو يصدق أو يعتنق ما كان يظنه، أنه الحقيقة.

إذن كل من يرغب التقدم في طريق الكمال، دون خوف الضلال، والبلوغ الى يسوع المسيح، بنوع أكيد وكامل، يعتنق «بقلب رحب ونفس منشرحة» (2مكاب 3:1) هذه الممارسة للعذراء الطوباوية، التي ربما لم يعرفها بعد، وليدخل في هذا السبيل الذي كان مجهولاً منه، والذي أريه إياه (1كور 31:12). إنه الطريق المسلوك من يسوع المسيح الكلمة المتجسد، رأسنا الوحيد، لذا فمن يسير لن يتيه.

إنه طريق سهل، بسبب ملء النعمة وحلاوة الروح القدس، لا يتعب المرء فيه أبداً ولا يتقهقر قط، حتى اذا ما سار فيه. إنه طريق قصير، يوصلنا في زمن قصير الى المسيح يسوع، هو طريق كامل لا وحل فيه ولا غبار ولا رائحة خطيئة، وهو أمين ليبلغنا الى يسوع الحياة الأبدية بنوع مستقيم وأكيد، ودون انحراف. لندخل فيه ولنسر ليل نهار حتى نبلغ قيامة المسيح (افسس 13:4).

6- هذا التكريم يمنحُ حريةً باطنيةً كبيرة

وهي حرية أبناء الله (رومية 21:8) للذين يمارسونه بأمانة، لأنه يجعل المرء عبداً ليسوع الرب الصالح الذي يجازي عبده بنزعه عنه كل وسواس وخوف يضايقانه ومنحه ألفة مقدسة مع الله، معتبراً إياه كأبٍ، واهباً له حباً حقيقياً بنوياً ورقيقاً.

ولا أود إثبات ذلك ببراهين عقلية، بل أكتفي بسرد حادث قرأته في ترجمة الأم الراهبة أغنيسة ليسوع المتوفية بعُرف القداسة عام 1634. فكانت هذه الراهبة تتعذب كثيراً، وسمعت صوتاً يقول لها: إذا ترغبين التخلص من عذاباتك، صيري عبدةً ليسوع وأُمَّه مريم. فقبلت ذلك فوراً وأعلنت ذاتها هكذا، وكعلامة لذلك حملت على حَقويها سلسلة حديدية إلى مماتها (كان العبدُ مراراً يشد بالسلاسل الحديدية)، فشفيت من آلامها وشعرت براحة وسلام يغمرانها. وعلّمت هذه الممارسة للأب أوليه مربي معهد سان سولبيس وغيره من الكهنة.

7- هذا التكريم يمنح خيرات جزيلة للقريب

بتسليم المرء أثمن شيء له، وهو قيمة اعماله الصالحة التكفيرية الى مريم لتوجهها حسب رغبتها الوالدية، سواء لارتداد الخطأة وسواء لتخليص الأنفس المطهرية، يُظهر الإنسان ذاته أنه تلميذ كامل لمعمله يسوع، ويحب قريبه، عاملاً على خلاصه، سواء كخاطئ على الارض أو متعذب في المطهر. ولمعرفة سمو ذلك، يكفي القول بأنه عملٌ أعظم من خلق السماء والأرض، حسب القديس أوغسطينوس، لأنه يُعطي للإنسان خير حصوله على الله. فلو أعطي للإنسان أن يخلص ولو شخصاً واحداً فقط، من المطهر أو إرجاع خاطئ واحد، فهل ليس ذلك شيئاً عظيماً لكل إنسان أن يمارس هذا النوع من الإكرام؟

مع هذا نلاحظ أن أعمالنا الصالحة التي تمر بيدي مريم، تنال نقاء أكثر، ومن ثم زيادة في الثواب والقيمة الوفائية والاستحقاق الطلبي، فتصير أقدر على تخفيف العذابات المطهرية وهدية الخطأة مما تكون بذاتها ولم تمر بيدي مريم. وقد يكون عند وفاة شخص أمين لهذه الممارسة، أنه خلّص نفوساً كثيرة من المطهر وأرجع خطأة عديدين دون قيامه بأعمالٍ خارقة العادة، إلا ما تطلبه حالته الاعتيادية، فيا لعظم سعادته يوم الدين.

8- إنَّ ممارسةَ هذا التكريمِ هي واسطةٌ عجيبة للثبات

ما هو سببُ عدم ثبات أغلب ارتدادات الخطأة؟ ولم يقعون بسهولة في الخطيئة؟ لماذا أكثر الأبرار بدل أن يتقدموا في الفضيلة، ويكتسبوا نعماً جديدة يفقدون مراراً القليل الذي لهم من النعمة. إن هذه التعاسة مصدرها من اعتماد الإنسان على ذاته، واستناده على قواه الخاصة، ظاناً بأنه قادرٌ على المحافظة على كنز نعمه وفضائله واستحقاقاته.

بواسطة هذه الممارسة يؤمّن صاحبُها لدى الأم القديسة، الأمينة، كل ما له، معتبراً إياها، مستودعاً عاماً لكل خيراته الطبيعية والروحية، واثقاً بأمانتها مستنداً على قدرتها، ومعتمداً على رحمتها ومحبتها كي تحفظ وتنمي فضائله واستحقاقاته، رغم الشيطان والعالم والجسد الذين يحاولون جهدهم لانتزاعها منه.

إنه يقول لها، كما يقول الطفل الصالح لأمه والعبد الأمين لسيدته: «حافظتُ على الوديعة» (طيما 20:6) يا أماه الصالحة، ويا سيدتي، إني أقرُّ بقبولي حتى الآن النعم من الله بشفاعتك، أكثر مما أستحق، وإن اختباري البائس يعلمُني أنني أحمل كنزي في إناءٍ سريع العطب، وانني ضعيفٌ جداً وحقيرٌ كثيراً، حتى أستطيع المحافظة عليها بذاتي، لأني «صبيٌ حقير» (مز 141:118)، لذا أرجو قبول كل ما لي كوديعةٍ، تحافظين عليها بأمانتك وقدرتك، فإذا ما انت تحرسيني لن أفقد شيئاً، وإذا تستنديني لن أسقط أبداً، وإذا ما تحاميني فسأكون في مأمن من أعدائي.

هذا ما يقوله القديس برنردس بكلمات صريحة مشوّقاً إيانا الى هذه الممارسة، فيكتب: «عندما تسنُدك (مريم) لا تسقط ابداً، وعندما تحرسك لا تخافُ قط وعندما تقودُك، لا تتعب البتة، وعندما تهتمُ بك، ستصلُ إلى مرفأ السلامة». ويكرر القديس بونافنتورا ذلك بكلمات أقوى قائلاً: «إن العذراء القديسة ليست فقط من عداد القديسين، لكنها هي التي تحفظُ ملئهم من النقصان، وفضائلهم من الخسران، واستحقاقاتهم من الفقدان، ونعمهم من الحرمان، والشياطين من إيذائهم، وتمنعُ أخيراً الرب من معاقبتهم عند الخطأ».

إن العذراء الكلية القداسة هي البتول الأمينة نحو الله، التي عوضت عن الخسارة الناجمة من حواء اللاأمينة، فتطلب من الله، الثبات لأولئك الذين يتعلقون بها. لذا يُشبهها أحد القديسين بالمرساة الراسخة التي تخلّص من الغرق في بحر هذا العالم الخضم، الكثيرين المتشبثين بها. ويقولُ يوحنا الدمشقي بدوره: «إننا نعلّق النفوس برجائِك، كما في مرساةٍ وطيدة». إن القديسين الذي خَلُصوا تعلقوا بها، وعلَّقوا الآخرين ليثبتوا في الفضيلة. فطوبى ألفَ مرةٍ لأولئك المسيحيين الذين يتشبثون بها بأمانة كاملة كما في مرساة ثابتة. إن أعاصير هذا العالم لا تقوى على إغراقهم، ولا على حرمانهم من الكنوز السماوية. طوبى لأولئك الذين يدخلون اليها كما الى فلكِ نوح. إن مياه طوفان الخطيئة، التي تُغرق الكثيرين في العالم، لا تضرُّهم، لأن أولئك الذين يشتغلون لخلاصهم لا يُخطئون. طوبى لأبناءِ حواء التعيسة اللاأمناء، الذين يتشبثون بالأم والبتول الأمينة «التي تحبُ دوماً الذين يحبونها» (أمثال 17:8) لا فقط بمحبة عاطفية، ولكن بمحبة فعالة أيضاً تمنعهم من السقوط في الطريق وفقدان نعمة ابنها. إذ يمنحهم فيض النعم.

إن هذه الأم الصالحة تقبل دوماً بحب كل ما يُقدَم لها كوديعة، وعندما تقبلُها تحافظ عليها من باب العدل، إذ هي ملتزمةٌ بعقد الامانة، كمثل شخصٍ اودعت عنده ألف ليرة، فهو ملتزمٌ بالمحافظة عليها، بحيث أنه إذا فُقدت بسبب إهماله، يكون هو المسؤولُ عنها عدلاً. إنَّ مريم الأمينة لا تدع قط أن يعقد ما يُودَع عندها، عن إهمال. فالسماءُ والأرض تزولان، أحرى مما أن تصبح مهملة لا أمينة نحو المعتمدين عليها.

يا أبناء مريم المساكين، إن ضعفكم لشديد، وعدم ثباتكم لكبير، وباطنكم فاسد. إنكم أبناء آدم وحواء، ألا تعزّوا وافرحوا، فإني أكشف لكم سراً، غير معروف تقريباً من الجميع حتى ايضاً من الأتقياء. لا تضعوا ذهبكم وفضتكم في صناديقكم التي كسرتها الروح الخبيثة وسرقتها، إنها صغيرة وضعيفة وقديمة، لا تصلحُ لاحتواء كنز كذا ثمين وكبير. لا تضعوا الماء الرائق والنقي في آنيةٍ ملوثةٍ بالخطيئة، وإذا ليس فيها خطيئة الآن، فإن رائحتها لا زالت بعد فيها، فسيكون الماء ملوثاً، ولا تضعوا خمركم الممتاز في براميل كانت مملؤة خمراً فاسداً، إنها ستُفسد هذا الخمر أيضاً، فحذار من ذلك.

رغم أنكِ تفهمينني أيها النفوس المختارة، فإني سأتكلم بصراحة وأقول: لا تضعوا ذهب محبتكم وفضة طهارتكم ومياه نعمكم السماوية وخمر استحقاقاتكم وفضائلكم في كيس مثقوب، وإلا سوف تسلبه اللصوص، أعني الشياطين اللذين يفتشون عنكم ليل نهار ويتجسسون، منتظرين الفرصة السانحة ليقوموا بذلك. ستُفسدون برائحتكم الكريهة الناجمة عن محبتكم الذاتية واعتمادكم على نفسكم، كل ما يعطيكم إياه الله مما هو طاهر.

ألا ضعوا واسكبوا في أحشاء وقلب مريم كل كنوزكم ونعمكم وفضائلكم، فانه إناء الروح، إناء مكرم، إناء العبادة الجليلة، منذ ما الله تعالى أغلق ذاته داخله بكل كمالاته، فأصبح روحانياً بجملته، ومسكناً روحياً للنفوس الأكثر روحية، أصبح مكرماً وعرش شرف لأكبر أمراء الأبدية، صار إناء العبادة الجليل والمسكن الأكثر حلاوة ونعمةً وفضيلةً، أمسى أخيراً غنياً كبيتٍ من ذهب، وقوياً كبرج داود، ونقياً مثل برج عاجي.

آه كم هو سعيدٌ الانسان الذي وهب كل ما له لمريم، ويثق ويفقد كل شيء في مريم. إنه بجملته لها وهي كلُها له، ويمكنه القول بجسارة مع داود: «هذه صارت لي» (مز 56:118)، أو مع التلميذ الحبيب: «أخذتُها الى خاصتي» (يوحنا 27:19) أو مع يسوع: «كلُ شيء لي هو لك، وكل ما هو لك، هو لي» (يوحنا 10:17).

إذا ما يقرأُ ناقدٌ هذا ويَخالُ له أنني أبالغ وأتكلم عن ممارسة مبالغ فيها، يا للأسف، إنه لا يفهمني، سواء لأنه جسداني لا يتذوق الامور الروحية البتة، وسواء لأنه من العالم الذي لا يقدرُ أن يقبل الروح القدس، وسواء أيضاً لأنه متكبرٌ ومنتقدٌ، فيحرم ويحتقر كل ما لا يفهمه، إلا أن الناس المولودين من دم ولا من مشيئة لحمٍ، ولا من إرادة إنسان (يوحنا 13:1) بل هم من الله ومن مريم، يفهموني ويتذوقوني.

ومع ذلك أقول، إن مريم المباركة هي أفضل وأسخى الخلائق، ولا تدع ان تُغلب قط في المحبة والكرم، وبدل بيضة، يقول شخصٌ قديس، تعطي ثوراً، أي بدل شيء زهيد يُقدَم لها، تمنحُ كثيراً مما اخذته من الله، وبالنتيجة إذا ما تقدمُ نفسٌ ما ذاتها لها دون تحفظ، فهي أيضا بدورها تُعطي ذاتها لها دون تحفظ. إذا ما يضع الانسان كل ثقته فيها دون كبرياء، ساعياً لتحصيل الفضائل وقلع الرذائل. ليقل إذن خدامُ مريم الامناء، بجسارة مع القديس يوحنا الدمشقي: «إذا كان لي ثقةٌ فيكِ يا أم الله فإني سأخلص، وإذا كانت حمايتُك لي، فلا أهابُ شيئاً، وبعونك سأحاربُ وأهزمُ اعدائي لأن إكرامك هو سلاحُ الخلاص الذي يُعطيه الله لمن يُريدُ خلاصَهم».

اترك تعليق

ضع تعليقك
ضع أسمك هنا