19- في أن هذه الممارسة هي تجديد كامل لمواعيد المعمودية المقدسة

0
172

قلت إن هذه الممارسة يمكن تسميتها جيداً: تجديدٌ كاملٌ لمواعيد العماد. لأن كل مسيحي، كان قبل اعتماده عبداً للخطيئة، وعند قبوله العماد، كفر احتفالياً بالشيطان، سواء فعل ذلك هو شخصياً، أم بفم العرّاب أو العرابة، وبكل أباطيله واعماله واتخذ يسوع المسيح معلماً له وسيداً مطلقاً يخضعُ له كعبد حب، وهذا ما تعنيه المواعيد: أكفر بالشيطان وبالعالم وبالخطيئة، مخصصاً ذاته بجملتها ليسوع المسيح بواسطة مريم. إلا أنه ههنا يفعلُ أكثر من ذلك، لأن في المعمودية، يعلن ذلك اعتيادياً بفم الاشبين أو الإشبينة، فيقدمُ ذاتَه ليسوع المسيح بواسطة الوكيل، بينما في هذه الممارسة، يقدمُ هو ذاته، نفسَه، باختياره ومعرفته التامة.

ثم في المعمودية المقدسة، لا يُعطي المرء ذاتَه ليسوعَ المسيح، بواسطة مريم، أقلَّه ليس بنوع صريح، ولا يُعطي ليسوع المسيح، استحقاقَ اعماله الصالحة، فيبقى الإنسانُ بعد المعمودية حُراً في التصرف فيها، مقدّماً اياها، إمّا للآخرين، أو يحتفظ بها لذاته، بينما في هذه الممارسة، يخصص الإنسان ذاتَه لمخلِصنا الإلهي، بيدي مريم، ويكرّس له استحقاقَ أعمالِه كلِها.

يقول القديس توما، إن البشرَ ينذرون في المعمودية المقدسة، بجحد الشيطان وأباطيله (الخلاصة اللاهوتية 2، 2، 2:88)، وحسب القديس اوغسطينوس، إن هذا النذرَ هو الأكبرُ والأكثرُ ضرورةً (رسالته لبولينوس 59).

هذا ما يؤيده الحقوقيون أيضاً بقولهم: إن أهمَّ نذرٍ، هو ذاك الذي نعمَلُه في العماد، ومع ذلك، فمن هو هذا الذي يحافظ على هذا النذر الكبير؟ ومن هو ذاك الذي يتمسكُ بأمانةٍ بمواعيدِ المعمودية، ومن يأتي هذا الفسادُ العام؟ أليس من نسيان هذه الوعودِ التي قمنا بها، ومن عدم تأييده شخصياً هذه المعاهدة التي عملها الله، العرّاب أو العرّابة باسمه.

هذه هي الحقيقةُ حتى أن مجمع سنس الملتئم بأمر الملك لويس الصالح لإصلاح الفسادِ الكبير بين المسيحيين، أقرَّ بأنَّ العلة لذلك كانت متأتيةً من النسيان والجهل لهذه المواعيد، فلم يجد واسطةً أفضلَ لمداواةِ هذا الشر الفظيع، إلّا حملَهم على تجديدِ تلك المواعيد.

ويحرّضُ التعليم المسيحي «لمجمع ترنت»، الشارح الأميني للمجمع، الكهنةَ على عمل نفس الشيء، أعني حمل الشعب ليتذكرَ ويؤمن بأنه مقيدٌ ومكرسٌ لربنا يسوع المسيح، كالعبد لسيده، فيكتب: «على الكاهن أن يحثَ الشعبَ ليعلم بأنه من العدل والصواب، أن يُكرسَ ذاتَه لمخلصنا وسيدنا إلى الأبد، كالعبد لسيده» (1، 3، 15:2).

فإذا ما المجمع والآباء والخبرةُ تبيّن بأنَّ أحسنَ وسيلةٍ لمداواة فسادِ المسيحيين هو تذكّرُ واجباتِ المعموديةِ وتجديدُ مواعيدِها، أليسَ إذن من الأفضل فعلُ ذلك من خلال تكريسِ ذواتِنا للرب بواسطة أُمه القديسة؟

يعترضُ البعضُ بأنَّ هذا التكريمَ هو صيغةٌ جديدة. أجيبُ بأنَّ مجامعَ كَنَسية وعدداً من آباء الكنيسة والكتبة الروحيين القدامى والمعاصرين، يتكلمون عن تجديد مواعيدِ المعمودية كصيغةِ إكرامٍ موجودة قديماً ويوصون بها.

وقد يَظُنُّ آخرون بأنَّ هذا النوعَ من الإكرام، طالما يجعلُنا نُهدي كلَّ أعمالنا الصالحة من صلواتٍ وصدقاتٍ وتقشفاتٍ فإنه يجعلُنا نَحرمُ أهلنا وأصدقاءنا والمحسنين الينا من مساعدتهم بها. أقولُ بأنه لأمرٌ لا يقبلُ التصديق أن يتحملَ أصدقاؤنا وأهلُنا والمحسنون الينا، العذابَ بسبب تكريمنا وتكريس أنفسنا دون قيدٍ لخدمة ربنا وأُمه القديسة. إنَّ هذا القولَ يهينُ قدرةَ وجودةَ يسوع ومريم اللذان يعرفان جيداً كيف يساعدان هؤلاء سواء بواسطة استحقاقاتِنا أو بطرقٍ أُخرى.

إنَّ هذا الإكرام لا يمنعُ بتاتاً، بأن نصلي عوضَ الآخرين، سواء كانوا أحياء أم متوفين، رغم أنَّ توزيع أعمالنا الصالحة هو منوطٌ بإرادة العذراءِ الطوباوية، فإنَّ هذا يجعلُنا أن نصلي بثقةٍ أعظم.

كمثلِ شخص وهبَ كلَّ ما له لأميرٍ كبير حباً بتكريمه، فإذا ما طلب ذلك الغنيُّ شيئاً من أميره، لتصدق على أحد أصدقائه، فإنه لا فقط لا يخيب أملَه، ولكن يجعله سعيداً ليظهرَ تقديرَه لِما عَمله نحوه. وهكذا لا يدع ربنا وأمه المباركة أن نغلَبهما سخاء.

وقد يحتجُ آخرون بقولهم اذا ما قدَّمنا كل اعمالنا الصالحة الى العذراء القديسة لتوزعَها، أفلا نتعذب في المطهر زمناً أطول؟ إنَّ هذا الاعتراضَ نابعٌ عن الأنانية وعن جهلِ سخاءِ الرب وأمِه المباركة. هل من المعقول أن شخصاً وَرِعاً وسخياً يَودُّ الاهتمامَ بمصالح الله أكثرَ من أموره الفردية، هل هذا الشخص، الذي قدّم كلَّ ما له لله، دون قيدٍ ولا شرط، ولا يتنفسُ إلّا لمجد الرب يسوع وأمه القديسة، هل يعقل بأن يقاصَصَ في العالم الآخر، بسبب سخائِه وغيرتِه المتقدة؟ لا ريبَ أنَّ هذا الإنسانُ سينالُ من جودةِ الربِ وأمه، أكثرَ بكثير سواء ههنا أو ما وراء هذه الحياة على كل الأصعدة من أفضالٍ عميمة في حقل الطبيعةِ والنعمةِ والمجد.

اترك تعليق

ضع تعليقك
ضع أسمك هنا